تُعتبر الديمقراطية في الهند من أقدم الديمقراطيات في العالم، والتي صمدت أمام التحديات التي واجهتها.
ورغم اختلاف زعماء الهند عن القاعدة الأساسية التي تمثل رمزية الديمقراطية في المجتمع، إلا أنهم كانوا متفقين على استمراريتها.
ديمقراطية الهند
كان المهاتما غاندي يعتقد أن القرية في الهند تمثل رمزية الديمقراطية، بمعنى أن تصبح القرية هي القاعدة التي تتمحور حولها فلسفة الديمقراطية.
وهي كناية عن وعي الجماهير، فالقَرية هي الوحدة الأصغر، وتمثل أيضًا قاعدة للفقر وانعدام التعليم.
والانطلاق منها هو خلق الوعي والمعرفة المطلوبة بقضية الديمقراطية.
ونجد أن جواهر لال نهرو كان يعتقد أن البرلمان يمثل بيت الأمة للهند، ويجب أن يمثل كل المجتمع الهندي.
ترسيخ الديمقراطية
بكل طبقاته الاجتماعية. هذا الخلاف في كيفية ترسيخ وتمتين الديمقراطية في المجتمع هو الذي جعل الديمقراطية تنمو وتبقى رغم الأزمات.
والتحديات التي واجهتها. ومعلوم أن في الهند تنوعًا ثقافيًا وسياسيًا وإثنيًا، ولكن استمرت الديمقراطية.
الصراع الذي حدث بين القيادات الاتحادية بعد ثورة أبريل 1985م هو الذي جعل الحزب الاتحادي يتراجع دوره في المجتمع.
قبل ذلك التاريخ، كانت قدرات وتأهيل العضو هي التي تمنحه الأحقية في الصعود إلى قمة الهرم.
القاعدة الجماهيرية
ولكن في ظل الطائفة، أصبح الولاء والنسب هو الذي يمثل الرافعة الأساسية للعضو. لذلك تراجع دور الحزب منذ ذلك التاريخ.
وأصبح دوره أصغر من حجم قاعدته الجماهيرية، وهذا يرجع إلى أن القيادة نفسها تتخوف من القاعدة، فالاتصال أصبح ضعيفًا بينهما.
لأن الوعي القاعدي أفضل من الذي في قمة الهرم، الأمر الذي يعقد عملية التواصل بينهما.
وهي حقيقة أن القاعدة تملك فهمًا ووعيًا أكبر من القيادة، وهذا الإحساس في القيادة أدى إلى تراجع دور الحزب.
الصراع حول السلطة
الأمر الذي جعل الحزب يستجدي الآخرين أن يجدوا له مكانًا في ممارسة العمل السياسي والصراع من أجل السلطة.
بالأمس قرأت خبرًا أن السيد محمد عثمان الميرغني قد عيّن ثلاثة مستشارين له، وخرج الخبر من “الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل”.
وفي ذات اليوم، وصلني أيضًا بيان ينتقد التعيين، بالقول إن هناك مجموعة تحاول استخدام اسم السيد الميرغني في إصدار البيانات.
قرارات مولانا الميرغني
واتخاذ قرارات باسمه. يقول البيان:
(طالعنا اليوم الثلاثاء 17 يوليو 2025 بيانًا صادرًا باسم “الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل” بتعيين ثلاثة أشخاص مستشارين للسيد رئيس الحزب).
ويريد أصحاب البيان أن يوضحوا الآتي:
إن السيد محمد سيد أحمد الجاكومي هو عضو في حزب اتحادي آخر ضمن الجبهة الثورية.
والسيد الباقر أحمد عبد الله انضم لحزب الشريف زين العابدين الهندي، وكان منتظرًا تعيينه في منصب وزاري.
والسيد الفاتح تاج السر تم تعيينه منذ فترة ناطقًا رسميًا باسم الحزب، ولكنه اختفى.
مؤامرة ضد الحزب
ويضيف البيان أن هناك مؤامرة كبيرة تُحاك ضد الحزب بواسطة أشخاص منتفين.
ويتم الزج فيها باسم مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، ولذلك يؤكدون أن هذه القرارات باطلة.
لكن، هل قرار التعيين هو الباطل لوحده؟ أم هناك قرارات اشتركوا فيها جميعًا مستخدمين فيها اسم الميرغني.
رغم علمهم جميعًا أن الرجل قد طعن في السن؟.
إن ختام البيان يُخفي القول الصريح “أن السيد الميرغني بلغ من العمر عتيًّا”، وبالتالي لا يستطيع أن يصدر بيانات.
ديمقراطية الإتحاديين
إنما هناك مجموعة تستثمر كِبر سن الميرغني في إصدار بيانات لتحقيق منافع شخصية ليست لها علاقة بالسيد الميرغني.
المشكلة الأساسية أن الصراع يتمحور بين أبناء الميرغني الثلاثة: “جعفر، والحسن، والمحجوب”.
وكل واحد منهم يتخذ له مجموعة تدّعي أنها “المجموعة الناجية” التي يؤيدها السيد الميرغني دون الآخرين. رغم أن كل المجموعات.
التي حول أبناء الميرغني جميعهم جاءوا بالتعيين، وكلهم يمارسون ذات اللعبة، الأمر الذي أضعف دور الحزب السياسي.
الواضح من هذا “المللوج” أن مجموعة جعفر الميرغني هي التي عيّنت الثلاثة مستشارين للسيد الميرغني.
حركات الكفاح
وأن مجموعة الحسن هي التي أصدرت بيان الاحتجاج، رغم أن مجموعة المحجوب لزمت الصمت.
لكن أريد أن أسأل صديقي محمد سيد أحمد الجاكومي:
انتقادك لحديث جبريل إبراهيم بأن هناك وزارات بعينها تتبع للموقّعين على اتفاقية جوبا.
ونفيك لذلك بأن الاتفاقية لا تنص على ذلك، هل يعني انتهاء شهر العسل مع الحركات؟.
وهل انتهى شهر العسل بينكم، ويُحاول الكل الآن البحث عن مصالحه دون الآخرين؟.
تعيين الوزراء
وهل معتز الفحل موجود الآن في بورتسودان، ومن ضمن الذين يريد رئيس الوزراء كامل إدريس استشارتهم في عملية تعيين الوزراء؟
إن البيان، رغم أنه يحاول أن يكشف موقفًا سلبيًا للآخرين، وقف عند حدود المشكلة، ولكنه لم يستطع أن يبين.
لماذا حدث ذلك؟ وما هو العلاج؟ إن تعميق الأزمة السياسية في البلاد ناتج عن قصور في تقديم الحلول.
أو حتى تقديم مشروعات يدفع فيها الناس إلى الحوار من أجل الوصول إلى مشتركات.
خلل داخلي
فإذا كان داخل الحزب الواحد خللٌ بنيوي وفكري تعجز القيادات عن معالجته، فإن ذلك يؤدي إلى تشققات في الحزب الواحد.
وهي مشكلة سوف تواجه البلاد حتى إذا توقفت الحرب غدًا، لأن العقل السياسي ما زال يتمحور فقط حول قضية.
“كيف نصل إلى السلطة”، دون التفكير في معالجة مسببات الضعف السياسي.
نسأل الله حسن البصيرة.
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
رصد: صحوة نيوز