الحوار السياسي.. من الفكرة إلى التغيير

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
أعود مرة أخرى للكتابة عن الحوار السياسي الذي أطلقه السيد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس.

وكما ذكرت في مقال سابق، فإن رئيس الوزراء أطلق فكرة الحوار الوطني كفكرة مجردة، دون أن يقدم أي اجتهاد سياسي يوضح ماهية الفكرة.

والأهداف المرجوة منها، وما الخدمات التي ستقدمها مؤسسته لإنجاح الفكرة تنظيماً ومشاركةً.

رغم أن رئيس الوزراء أكد تاريخ بداية الحوار وحدده في أواخر شهر مايو الجاري، وفتح باب المشاركة لجميع القوى السياسية دون إقصاء.

إلا أن الفكرة نفسها تحتاج إلى عمل آخر تستطيع فيه مؤسسة مجلس الوزراء الاستعانة بمؤسسات أخرى لتطويرها، مثل مراكز الدراسات والبحوث.

والجامعات السودانية، والخبرات السياسية والنقابية في حدود إبداء الرأي، بهدف إنضاج الفكرة واتضاح رؤيتها.

وهنا أطرح أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابة من رئيس الوزراء ومن يقفون وراء فكرته: هل الهدف هو سباق مع العمل الخارجي الذي تقف وراءه منظمات ودول خارجية مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن والرباعية وغيرها؟.

أم أن الهدف هو البحث عن معالجة حقيقية للأزمات السياسية التي ضربت البلاد منذ الاستقلال حتى اليوم؟ أم هناك أهداف أخرى مستبطنة لا يريد رئيس الوزراء التطرق إليها؟ أليس الأفضل البدء بتوعية ثقافية حول الفكرة؟

الأحزاب السياسية صناديق مغلقة ومصالح شخصية

إن مشكلة السياسة في السودان هي أن الأحزاب السياسية عبارة عن صناديق مغلقة، تسيطر عليها قيادات أفقها السياسي لا يمتد أبعد من دائرة مصالحها الخاصة.

وهي غير منتجة فكرياً وثقافياً. لذلك هي التي تسببت في حالة الجمود وعدم الفاعلية للأحزاب، فهي قيادات لا تسمح بدخول تيارات جديدة تساعد على تجديد الثقافة السياسية.

وإذا قارنا هذه القيادات مع القيادات التي قادت عملية تأسيس الأحزاب وصنعت الاستقلال بقيادات اليوم، نجد الفارق كبيراً حتى في ضعف طريقة التفكير.

وضيق الصدر وعدم سماع الرأي الآخر. لذلك تجدها ترفع شعار الديمقراطية دون أن تمتلك ثقافة الديمقراطية وممارستها.

وأيضاً هناك أحزاب تتعارض مرجعياتها الفكرية مع الشعار نفسه، الأمر الذي يخلق حالة من انعدام الوزن السياسي.

ويُلاحظ أن الهدف من تغيير الخطاب السياسي هو جعله يتكيف مع التغييرات الطارئة التي تحدث في الساحة السياسية، أو في الشارع والسلطة، دون الوصول لقناعة بها.

الغريب في الأمر، رغم كثرة شعارات الديمقراطية المرفوعة من قبل الأحزاب، إلا أنها لم تقدم على مراجعة هذه الثقافة السياسية، والتي هي نتاج تراكم أفعال النظم الشمولية التي حكمت البلاد.

وحتى لم تَخُض في البحث في كيفية التواؤم بين الديمقراطية وعقائد المجتمع وثقافته الاجتماعية.

وهناك البعض الذين يعتقدون بوجوب نقل ثقافة الغرب نقلاً كربونياً، دون مراعاة للفارق الكبير بين الثقافتين.

وكلها عمليات تحتاج إلى قراءة صحيحة بعقول مفتوحة، بعيداً عن العصبيات القاتلة.

والملاحظ أن المجتمعات السودانية التي تعيش في بلاد الغرب لم تتنازل عن معتقداتها وثقافتها.

ولكنها تحترم قوانين البلاد التي تعيش فيها. هذا النموذج كان من المفترض أن يدركه العقل السياسي السوداني إذا كان النظر هو إلى كيفية عملية الإصلاح.

والوصول لإصلاحات بهدف الوصول للسلطة بوسائل سلمية، وخلق نموذج جديد في معاداة السياسة.

إذا نظرنا إلى تجارب الشعوب الأخرى، نجد أن الصين لم تتنازل عن الماركسية، ولكنها استطاعت أن تتبنى اقتصاد السوق.

وتصبح في أقل من سبعة عقود منافساً قوياً للولايات المتحدة في مركز الريادة الاقتصادي العالمي، لأنها تملك عقولاً فاعلة ونشطة قادرة على التفكير الصحيح، وليست شعارات جوفاء نتاج العقول الخاملة.

إن السيد رئيس الوزراء يجب أن ينظر لقضية الحوار السياسي نظرة موضوعية، باعتبارها قاعدة للتحول السياسي والتغيير.

وليس إرضاءً للمجتمع الدولي. هذا المجتمع لن يرضى مهما فعلت من أجل السودان، لأنه يريد أن يكون السودان تابعاً لسياساته، ويريد أيضاً قيادات ضعيفة يستخدمها فقط من أجل إنجاز أجندته.

في مرحلة تاريخية ارتمى جعفر نميري في أحضان أمريكا، ماذا فعلت معه غير نقل اليهود الفلاشا عبر السودان إلى إسرائيل.

وأوقفت أعمال شركة شيفرون لاستخراج البترول، رغم علم الأمريكيين بأن السودان يعيش على برك من البترول. وعاش نظام مايو في أزمات اقتصادية حتى سقط دون أن تقدم له أمريكا مساعدة.

الحوار الوطني يجب أن يُنظر إليه كاستراتيجية سياسية جديدة في البلاد، بهدف إحداث تغييرات جوهرية في مفهوم الفكر السياسي تتجاوز المفهوم التقليدي الذي فرضته سلطة البندقية في عملية محاربة الدولة.

وخلق أحزاب تعبر عن الشارع السوداني في تنافس سلمي طبيعي دون أية احتكاكات تولد شرارات النزاعات الداخلية.

وهذه لا يمكن تحقيقها عبر العقليات السياسية الخاملة التي سادت الساحة السياسية في كل التيارات، وخاصة الأيديولوجية، لأنها كانت تعتمد على كاريزمات هي التي كانت تفكر بديلاً عن الحزب والمجتمع.

الآن لابد من تعديل الميزان، أن يفكر كل المجتمع من أجل مصلحة نهضته في الاقتصاد والثقافة والخدمات، بهدف استقراره الاجتماعي والسياسي.

ولكي يحدث هذا التغيير يحتاج إلى عقليات جديدة قادرة على الإنتاج الفكري في كل القطاعات المختلفة، لأن الفكر هو الأداة المتفردة في عملية التغيير.

الحوار فكرة للتغيير

السيد رئيس الوزراء، الرجاء لا تجعل من الحوار الوطني هو فقط عبور لأزمة تواجه السلطة، اجعله فكرة للتغيير وتنشيط للعقول.

والأفضل ألا تكون فكرة هلامية دون محتوى، لذلك لابد أن تجمع أولاً أهل الرأي والفكر في حوار لكي يضعوا القواعد والأجندة المطلوبة التي تساعد أن يكون الحوار بالفعل أداة للتغيير.

ليس فقط بالنظر لمشاكل الدولة، وأيضاً أن يتجاوز من خلاله العقل السياسي إلى تصحيح في مفهوم دور الحزب في العملية السياسية.

وما دامت الأحزاب هي أدوات الديمقراطية فلابد ألا تكون حكراً على مجموعة أو أسر أو طوائف، إنما مؤسسات مفتوحة تتنافس فيها على القيادة كل عضويتها من القاعدة للقمة.

لكي تحدث تجديداً متواصلاً في القيادة، ووفقاً للقانون حتى تتجدد طاقات الحزب بقيادات من الأجيال الجديدة والعقول النيرة وتتجدد خلايا الحزب لكي تكسبه الفاعلية. نسأل الله حسن البصيرة.

الأجزابالحوار السياسيالسودانرئيس الوزراء
Comments (0)
Add Comment