انتبه من خطر العدسات العشوائية

بقلم: عبدالمحسن إدريس
انشغل الشعب السوداني والشعوب المجاورة بفيديو الطالبة الخارجة من امتحان الشهادة السودانية، أحد أهم مكتسبات شعبنا الباقية، حتى الآن على الاقل.
في ذلك الفيديو العابر الذي التقطته عدسة أحد إعلاميي الشارع، لم تكن الطالبة السودانية تدرك أنها لا تجيب عن سؤال عابر بقدر ما تُلقى بها إلى ساحة عامة بلا حماية.

تحدثت بعفوية عن الامتحانات، عن الغش، عن قسوة المراقبة، كلمات خرجت كما تخرج من أي طالبة تحت ضغط، لكنها في لحظة الانتشار فقدت سياقها الإنساني، وتحولت إلى مادة للتأويل والتجريح، وربما للمحاكمة الاجتماعية القاسية.

لم يكن المقطع مجرد رأي عفوي لطالبة، بل صار مرآة تعكس خللًا أعمق في بيئة النشر الرقمي، حيث تتداخل الأدوار بين الصحفي والهاوي، وتغيب الحدود الفاصلة بين ما هو خاص وما هو عام.

ومع تسارع النشر عبر المنصات، لم تعد هناك مهلة للتفكير أو المراجعة، بل سباق محموم نحو “الترند”، حتى لو كان الثمن سمعة إنسان أو راحته النفسية.

وهنا يتجلى المعنى القاسي للمثل: تُرك الحبل على الغارب. فحين تغيب القوانين الرادعة، أو تُهمل، يصبح المجال مفتوحًا لكل من يحمل هاتفًا ليصوّر وينشر دون وعي أو مسؤولية. لا معايير مهنية، ولا موافقة صريحة، ولا حتى تقدير لعواقب ما يُبث. وهكذا تتحول الشوارع إلى استوديوهات مفتوحة، والناس إلى محتوى مجاني.

الأثر الذي خلفه هذا الفيديو في الشارع السوداني لم يكن بسيطًا؛ فقد أثار جدلًا واسعًا حول أخلاقيات النشر، وحقوق الأفراد، وحدود الحرية الإعلامية. وهو جدل مشروع، لكنه يكشف في جوهره عن حاجة ملحّة لإعادة ضبط المشهد، ووضع أطر واضحة تحمي الناس من هذا الانفلات.

فحرية التعبير لا تعني الفوضى، والإعلام ليس مجرد كاميرا وهاتف. وبين حق المجتمع في المعرفة وحق الفرد في الكرامة، يجب أن يكون هناك ميزان عادل… لا يُترك فيه الحبل على الغارب.

اخلاقيات البثالسودانالفضاء الرقميامتحانات الشهادةحالة غش