قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في كلمته خلال مؤتمر برلين المخصص للشأن السوداني: «يجب وقف الدعم الخارجي لأطراف النزاع في السودان».
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن وقف هذا الدعم في ظل امتناع الدول الأوروبية عن تسمية الجهات التي تقدمه؟
لقد راهنت بعض الدول الأوروبية على مجموعات سودانية بعينها، ووفرت لها ورشاً وندوات قبل سقوط نظام الإنقاذ في عدد من العواصم الأفريقية.
وهي ذات الأطراف التي يُتهم بعضها اليوم بتلقي دعم غير مباشر. ورغم هذا الاستثمار الطويل، أخفقت تلك الدول في صناعة قيادة سياسية قادرة على إدارة عملية سياسية مقنعة، أو طرح مشروع يحظى بقبول الشارع السوداني، لتتحول هذه المجموعات إلى مجرد امتداد لأجندات خارجية.
ويُطرح هنا سؤال مهم: لماذا لم تركز الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على تطوير الأحزاب السياسية السودانية، بدلاً من اختيار أفراد ومجموعات محددة للمشاركة في برامجها؟ هذا النهج يعكس – وفقاً لمنتقديه – سعياً لصناعة بدائل سياسية موالية، بدلاً من دعم مسار ديمقراطي حقيقي.
في هذا السياق، تبدو المؤتمرات الدولية المتعلقة بالسودان أقرب إلى أدوات لخدمة مصالح خارجية، لا منصات جادة لإحلال السلام أو دعم التحول الديمقراطي.
وكان من المتوقع أن تدفع الدول الأوروبية نحو إعادة القرار السياسي إلى الداخل السوداني، عبر حوار وطني شامل بعيداً عن التدخلات.
وليس مؤتمر برلين الأول من نوعه؛ فقد سبقه مؤتمر باريس خلال الفترة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، حيث أُعلن عن تعهدات مالية كبيرة لم تجد طريقها إلى خزينة الدولة.
كما تلاه مؤتمر باريس الثاني ومؤتمر في بريطانيا، دون نتائج ملموسة على أرض الواقع، ما عزز الانطباع بأنها مؤتمرات ذات طابع دعائي أكثر من كونها عملية.
ويُعد مؤتمر برلين الثالث ضمن سلسلة لقاءات نظمتها دول أوروبية والولايات المتحدة، غالباً دون إشراك السلطة القائمة في السودان، وهو ما يثير تساؤلات حول أهداف هذه الفعاليات.
ويرى منتقدون أن الغاية تتمثل في تمكين مجموعات محددة وفرض توصيات مستقبلية على البلاد.
في المقابل، تشير تحولات الواقع السوداني، خاصة في ظل الحرب، إلى تنامي وعي مجتمعي قادر على إدراك هذه التعقيدات والتصدي لأي محاولات لفرض أجندات خارجية، سواء من قوى إقليمية أو دولية.
ورغم اختلاف المواقف، يبقى إجماع السودانيين قائماً على ضرورة وقف الحرب. غير أن توصيف الصراع يظل محل خلاف؛ إذ يراه البعض تمرداً مدعوماً من الخارج يتطلب الحسم، بينما يرى آخرون أنه نزاع يستوجب تسوية سياسية شاملة.
في جميع الأحوال، يظل الحل – وفق كثير من الآراء – مرهوناً بإرادة داخلية خالصة، تتيح لكل السودانيين المشاركة في صياغة مستقبلهم السياسي، بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
نسأل الله حسن البصيرة.
زين العابدين صالح عبد الرحمن