حيدر ومركز الدراسات والتأسيس

بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن
ذهبتُ في أواخر عام 1990م إلى مكتب الأستاذ السر قدور، الذي كان في وسط القاهرة، عند مدخل شارع شريف مع شارع 26 يوليو. كان مكتبًا صغيرًا في الطابق الأول، لا يتحمل أكثر من أربعة أشخاص.
وجدتُ السر قدور والصحافي المخضرم بشير محمد سعيد، ورجلًا ثالثًا كان بشير بصدد إصدار كتاب «الزعيم الأزهري وعصره»، وكان السر قدور يشرف على طباعة الكتاب. عرّفني السر بالرجل الجالس الثالث: د. حيدر إبراهيم علي، وجلست بالقرب منه.

سألني: «طوّلت في القاهرة؟»
قلت له: «نعم، كنت مبعوثًا من الإذاعة السودانية إلى إذاعة وادي النيل، وراجع السودان بعد يومين».

وفي أوائل سنة 1991م، كنت أقيم في شقة بالقاهرة وسط البلد، في شارع «3 أبو بكر خيرت»، بالقرب من مقر الإذاعة المصرية القديمة. كان صاحبها القطب الاتحادي بكري النعيم، وكان يحضر إلى الشقة الشريف زين العابدين الهندي، والسر قدور، وأخيرًا أحمد الفرجوني. وكان الحوار ثقافيًا، ويتناول الشعر والغناء في السودان.

طُرق باب الشقة في التاسعة صباحًا. تأكدت أن القادم ليس من القيادات السياسية؛ كان الدكتور حيدر إبراهيم علي. قبل أن يطرح السلام سألني: «رجعت أم لم تسافر؟».
قلت: «رجعت».

وجلسنا الثلاثة، وكان التوم محمد التوم قد التحق بجلستنا، وبدأ الحديث بأنه قادم من المغرب، وأنه بصدد أن يؤسس مركزًا للدراسات السودانية. وقال إنه ساعٍ للتصديق، لكن إجراءات التسجيل تتطلب دفعًا قويًا.

وبعد ساعة حضر القطب الاتحادي محمد الحسن عبد الله يسن، وعرّفناه بحيدر، وأنه بصدد تأسيس مركز للدراسات. فقال له يسن: «اذهب وأجرِ شقة وافتح المركز، ونحن سوف نتولى الأمر مع الإخوة المصريين. وبعد ذلك اسعَ للتصديق».

كان حيدر يتنقل بين المغرب والقاهرة، حتى تم افتتاح مركز الدراسات السودانية. وكان مواظبًا على حضور الحوارات السياسية التي كانت تُعقد في الشقة «3 أبو بكر خيرت».

وكان يحضرها من الحزب الاتحادي: محمد الحسن عبد الله يسن، ود. أحمد السيد حمد، ومحمد سر الختم الميرغني، وحسن عبد القادر هلال، ومن حزب الأمة: مبارك المهدي، ومهدي داؤود، والتجاني السيسي، ود. صديق بولاد، ومن الحزب الشيوعي التجاني الطيب وحمودة فتح الرحمن، ومن الحركة الشعبية دانيال كودي، وسليمان بخيت، وعمر عبد الرحمن، وقيادات الحركة الذين يزورون القاهرة، إلى جانب فاروق محمد إبراهيم، وفاروق أبو عيسى، وطه إبراهيم جربوع، والفريق أول فتحي أحمد علي، والفريق أول عبد الرحمن سعيد، والهادي بشرى، ومن الحزب القومي منير شيخ الدين.

طرح حيدر أسئلة في غاية الأهمية، لم تكن تتوقعها أغلبية القيادات السياسية:
هل قيّمت الأحزاب تجربتها في الديمقراطية؟ أليس من المفروض أن تبيّن للشعب لماذا سقطت الديمقراطية؟ ولماذا لم يتصدَّ أحد للانقلاب؟ حتى يقتنع الشعب ويصبح هو العمود الفقري للمعارضة؟.

كانت المعارضة، «التجمع الوطني الديمقراطي»، تعمل تحت قيادة «لجنة التسيير»، قبل أن يُجاز الهيكل التنظيمي لها. كان رئيس لجنة التسيير محمد الحسن عبد الله يسن، والأمين العام لها مبارك المهدي.

بعد ذلك أصبح لحزب الأمة مقر في شارع الألفي وسط البلد، وللحزب الاتحادي مقر في مصر الجديدة، وغادرنا شقة «3 أبو بكر خيرت».

وأصدر التجمع الوطني جريدة باسم «السوداني»، تصدر أسبوعيًا، وتوزع على المعارضة والأحزاب المصرية وأهل الرأي في مصر.
وبدأت المشاكل داخل القوى السياسية.

ذهبت إلى الدكتور حيدر وقلت له: أنا بصدد عمل ندوة أسبوعية كل يوم جمعة في الشقة التي أسكن فيها، وندعو لها قيادات الأحزاب. وطلبت من حيدر أن يبدأ افتتاح الندوات.

قال: «أنا أفضل أن أقدم ندوة بعد عدد من الندوات التي سوف تصبح مسارًا نقديًا لحديث مثبت في الندوات، لأن قيادات الأحزاب بتمكث في مقاعد القيادة فترات طويلة اعتمادًا على المغالطات»، تحولت الندوات بعد ذلك إلى تأسيس «المركز السوداني للثقافة والإعلام».

وأول ندوة أقامها حيدر إبراهيم في المركز كانت بعنوان: «المطلوب إصلاح الأحزاب فكريًا وليس تنظيميًا».
وقال إن قيادات الأحزاب دائمًا عندها تعريف لـ«الإصلاح» هو قيام المؤتمرات أو تغيير بعض واجهاتها السياسية، لكنها تهمل المسائل النظرية والفكرية.

وقال إن ذلك يعود إلى عدة أسباب؛ ربما يكون الأول الجهل بتعريف الفكر، والثاني أن الدخول في الحوارات الفكرية يكشف مقدراتهم المعرفية والثقافية، لذلك يتحاشون ذلك.

وفي الندوة التي كان قد أقامها «تنظيم وحدة وادي النيل» في «سوفتيل هوتيل» بالقرب من مطار القاهرة، عن الوحدة، تحدث الدكتور حيدر بكل شجاعة، متسائلًا: لماذا ملف السودان في جهاز المخابرات المصرية وليس في وزارة الخارجية؟.

وقال إن الجهاز يجمع معلومات من مصادر مختلفة، حتى من الباعة ورجال الشارع، وليست كلها من مصادر أصحاب القرار، لذلك لابد أن تختل العلاقة.

هذا السؤال حيّر السياسيين من الجانبين، المصري والسوداني.
وقال حيدر إن الإجابة هي التي يجب أن تبيّن الطريق الخطأ من الصواب، لكي تأخذ العلاقة طريق المصالح من أجل الشعبين.

كانت هناك قناعة عند عدد من القيادات الاتحادية، وحتى بعض قيادات حزب الأمة، وأيضًا عند الإسلاميين، بأن حيدر إبراهيم منتمٍ للحزب الشيوعي.

وفي حواراتي المتعددة مع د. حيدر، كان، كما يقول اليساريون، «تقدميًا غير منتمٍ». ولا الماركسية هي المرجعية الوحيدة عنده. وبحكم مرجعيته العلمية في علم الاجتماع، كان يتخذ المنهج النقدي في تحليلاته، لكنه لا يتوقف عند الماركسية، بل يستند إلى مرجعيات مختلفة.

وكما قال لي في حوار: «إن المفكر يجب ألا يجعل لمعرفته حدودًا حزبية تحول بينه وبين الوصول للحقائق».
ذهبت إلى القاهرة في 2014م في طريقي إلى السودان، واتصلت بالدكتور والتقيت معه في كافتيريا جروبي. قلت له إنني ذاهب غدًا للقاء الأستاذ هاني رسلان وأماني الطويل في الأهرام، لكنني أريد أن أعمل لقاءً مع الدكتور وحيد عبد المجيد، الذي كان رئيسًا لمجلة «مجلة الدراسات الاستراتيجية»، والدكتور نبيل عبد الفتاح.

لم يتردد في نفس اللحظة، واتصل بالاثنين وحدد لي معهما مواعيد، واستأذنت نبيل عبد الفتاح في الطلب بأن «يسهّل لي لقاء الذين أريد اللقاء معهم».
وفي عام 2023م، قبل الحرب، ذهبت والتقيته في مركز الدراسات بشارع الجمهورية.

وفي تلك الفترة كان الدكتور وجدي كامل قد أقام أسبوعًا للفنون والثقافة، وكنت قد أدرت له الندوة الثقافية في المركز.

وأتذكر في إحدى أيام الأسبوع وصلته مع حرمه إلى الرياض. سألته: هل مسار العمل الديمقراطي في السودان سوف ينجح؟
قال: «لأن الديمقراطية تتطلب ضخًا من الأفكار لعمل التغيير».

رحم الله الدكتور حيدر. كان مفكرًا وباحثًا، حتى الاختلاف معه كان مكسبًا للمعرفة.
وكل العزاء لأسرته وأهله وأصدقائه ومحبيه.

الحزب الاتحاديالسر قدورالقاهرةحزب الأمةحيدر ابراهيم عليشارع شريفمركز الدراسات السودانية
Comments (0)
Add Comment