دعونا نسمي الأشياء بأسمائها قبل أن يتحول الغبار إلى عاصفة إعلامية: الزيارة الرسمية إلى الرياض لم تكن رحلة عمل دبلوماسية.
بل كانت عرضًا تجريبيًا في إدارة الإحراج، وإن لم نقل ذلك بصراحة فسوف نقولها بطرافة مرة: لقد شاهدنا دولةً تمثل على خشبة فندق.
هناك فرق بين خطأ بروتوكولي وبين نكسة دبلوماسية تُعيد إلى الأذهان زمنًا كنا فيه نحترم ظهورنا أمام العالم.
الخطأ يحدث، لكن أن يستغرق رئيس وزراء السودان ثلاثة أيام في فندق دون لقاءٍ واضح، ثم نقله إلى المستشفى بعد وجبة.
ثم إعادة وضعه في خدمة الفندق، ثم إعادته إلى الخرطوم بخُفي حنين — فهذا ليس خطأ، هذا مسلسل تستحق له جوائز «الأداء المتهالك».
لن أذهب بعيدًا عن الوقائع المتاحة: وفد يصل دون ترتيب واضح، مواعيد مرتقبة لا تحدث، صور تظهر رئيس الوزراء في زي كامل بعد الحديث عن وعكة صحية.
وتصريحات متعدّدة حول أسباب المرض — تسمم هنا، ملاريا هناك — تجعل المشاهد يتساءل هل نحن أمام رئيس وزراء أم أمام ممثل مصري يحاول أن يفوز بجائزة أفضل دور ثانوي؟
المشكلة ليست في المرض — فالإنسان مريض ويستحق العناية — لكن المشكلة في التصرّف. رجلٌ سبق وعمل في مؤسسات دولية.
رجلٌ يفترض أن يعرف قواعد البروتوكول والصناعة الدبلوماسية: كيف تُرتب الزيارات، كيف تُنسق الاجتماعات، متى تُقبل الدعوات، ومتى تُؤجل إلى وقت مناسب.
فإذا كان من خبرة الأمم المتحدة أن يعلم، فلماذا نرى هنا عَرضًا من الارتجال وكأننا أمام شبابٍ يجهلون أبجديات الدعوات الرسمية؟.
النزعة النرجسية التي تبدو في بعض المواقف ليست ترفًا أو ميزة شخصية، النرجسية في رجلٍ يمثل دولة قد تتحوّل إلى كارثة حقيقية عندما تُسخر من سمعة البلد.
الشخص الذي يصور نفسه أكبر من مؤسسات الدولة ويجعل الظهور الإعلامي هو الهدف بدل المصلحة الوطنية، يقودنا حتمًا إلى ضعفٍ استراتيجي.
ومن يسهل تنبيهه أو توجيهه بسهولة — أو من يمكنه التلاعب بصورته — فهو ليس قائدًا بل ديكورًا.
لن نغفل دور فريقه، لأن الوزير لا يعمل في فراغ. مناشج البروتوكول، المستشارون، وأجهزة التنظيم يجب أن تكون بمستوى الحدث.
إذا كانت الخرطوم أرسلت وفدًا بلا أداة، بلا أجندة، بلا أهداف واضحة، فالمسؤولية ليست فقط على الرجل في الصدارة، بل على من وضعوه هناك دون أن يجهزوه.
هذا إن لم يكن تعمدًا لتغطية فشل التخطيط بالمشهد المرضي الذي يثير الشكوك — وما أقوله هنا ليس اتهامًا، بل ملاحظة منطقية تتولد من التساؤلات المحقّة حول توقيت الزيارة وكيفية إدارتها.
الدرس العملي (ولنكن واقعيين): إذا أردنا أن نُعيد للدبلوماسية السودانية هيبتها، فعلى من يحمل منصبًا بهذه الحساسية أن يمتلك ثلاثة أشياء لا تفاوض فيها:
1. أجندة واضحة: قبل أن تغادر الخرطوم، يجب أن تعرف مسبقًا من ستقابل وماذا تريد أن تجني من الزيارة. إهدار الأيام في انتظار مواعيد هو تبديد للوقت والسمعة.
2. فريق كفء: لا مقاعد بروتوكول فاخرة بلا خبراء. الأدوات المهنية لا تُستبدل ببيانات متكررة أو صورٍ لائقة.
3. صدق ومهنية إعلامية: التبريرات المتضاربة تغذي الشكوك وتدفع بالناس إلى تفسير المواقف بسوء نية — وهو ما يؤدي إلى فقدان الثقة داخليًا وخارجيًا.
ختامًا — وبلا رتوش: إما أن يعود رئيس الوزراء إلى موقعه كقائد يواجه المشكلات ويُصلح الأخطاء.
أو أن تنقله الدولة من دور «النجم المؤقت» إلى دور أقل حجماً وأكثر أداءً.
إن الاستمرار في أداءٍ بلا مشروع، وبلا رؤية، وبلا احترام للبروتوكول سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
فقدان مصداقية السودان على مستوى علاقاته، وهدر فرص حقيقية في استثمارات ومساعدات ومواقف سياسية حاسمة.
نصيحة أخيرة بطعم السخرية المرّة: إذا كانت الدولة تتحول إلى حقيبة سفر، فليعلم القوم أن الحقائب لا تقود مفاوضات ولا تُوقّع اتفاقيات ذات أثر.
القادة يفعلون. فليكن لنا قائدٌ، لا مجرد راكبٍ على درب الغوغاء الإعلامي.
بقلم: أ. د. محجوب علي لطفي