لا يا رئيس الوزراء هذه سياسة خاطئة

انتشرت في الوسائط الإعلامية تغريدة للسيد رئيس الوزراء كامل إدريس يقول: “البرهان وافق على تجديد الوثائق الرسمية وجوازات المعارضين خارج البلاد.. وندعوهم للعودة للسودان للمشاركة في حوار سياسي شامل”.

هذه التغريدة في وجهة نظري ليست موجهة إلى الشعب السوداني.. ولا للمعارضين الذين في حاجة لتجديد وثائقهم الرسمية.

السيد رئيس الوزراء بهذه التغريدة يخاطب الخارج، ويعتقد أن رضى الخارج هو المقدم على كل شيء.. الأمر الذي يوضح أن رئيس الوزراء إما جاهل بالشأن السياسي، وبالتالي غير قادر أن يضبط خطابه السياسي لكي يتوافق مع فكرة الحوار الشامل الذي يريد الدعوة لها، أو أنه يقدم رؤية يعتقد أن الآخرين هم الذين يجهلون المقصد منها..

السؤال: هل رئيس الوزراء كامل إدريس مستوعب ما هو المقصود بالحوار الشامل، والمطلوبات من هذا الحوار، هل هو حقيقة أم تكتيك؟

إن الحوار الشامل ليس شعاراً يتم ترديده بألسنة السياسيين بهدف المناورة، ولا مجرد هتاف من قبل المواطنين.

الحوار الشامل فكرة وفيه حمولات كثيرة، والهدف منه هو الوصول لتوافق وطني بين القوى السياسية والمكونات الاجتماعية في البلاد بهدف خلق واقع سياسي جديد يؤدي إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمن، ويهيئ البيئة لنهضة اقتصادية.

وإعادة النظر في القوانين وتشريع قوانين جديدة ومعرفة الزمن الذي يجب أن يستغرقه الحوار..

كان الاعتقاد أن رئيس الوزراء مدرك أن الحوار السياسي فكرة، والفرق بين الشعار والفكرة، أن الشعار عنده حمولة واحدة بهدف التنفيذ، مثالاً “تسقط بس”.

والفكرة هي تغيير للواقع. لذلك تكثر فيه الحمولات التي تبين كيف يكون التغيير، وما هي أدوات هذا التغيير، وما هي القوى التي يقع عليها عبء التغيير، ولمصلحة من يكون التغيير، وانعكاسات هذا التغيير في الإقليم الخارجي، والموقف منه والصعوبات والتحديات التي تواجه هذا التغيير…

إذا كان رئيس الوزراء مدركاً لعملية الحوار الوطني، كان لابد أن يبدأ بالتأسيس لها، من قبل مجموعة سياسية صغيرة مختارة، وتضم قدامى السياسيين والنقابيين وأكاديميين ومن تيارات مختلفة وغيرهم.

لكي تقوم هذه المجموعة بالتحضير للحوار تنظيمياً تتبلور فيها فكرة الحوار الوطني كفكرة يراد تطبيقها في الواقع.

وتقدم ورقة تطرح فيها أجندة الحوار التي تشمل كل القضايا الخلافية، كمسودة يفتتح بها الحوار الوطني.. ثم تضاف إليها أجندة أخرى أو تتغير الأجندة.

وبعدها تتم دعوة القوى التي يجب أن تشارك في الحوار الوطني، ثم العمل على حلحلة العوائق التي تقف أمام المدعوين للحوار الوطني.

وأيضاً تبيان أين سوف تكون جلسات الحوار، والمدة التي سوف يستغرقها الحوار، حتى لا يتحول إلى ثرثرة دون الوصول إلى نتائج.. كل هذه لابد أن تكون حاضرة عند رئيس الوزراء ثم يبدأ بإرسال رسائل للخارج..

رئيس الوزراء يحتاج سد الفجوة السياسية

إن التجربة قد أثبتت أن السيد رئيس الوزراء في حاجة لسد فجوة “الشأن السياسي” الذي يريد أن يتحرك فيه، وقد تبين من الممارسة في فترة رئاسته لمجلس الوزراء، أن تجربته السياسية محدودة، والوظيفة التي يشغلها تحتاج لتجربة تتسع بقدر اتساع المصالح المرتبطة بها.

لذلك عليه أن يقدم على الاستشارة السياسية قبل الإقدام على إرسال الرسائل بهدف مخاطبة الخارج.. إن محاولة التملق للخارج بسبب أو دون سبب سوف تفقد الوظيفة الاحترام من قبل الآخرين

. فالخارج لا ينظر إلى السودان إلا من خلال أجندته الخاصة، وكيفية تحقيقها بشتى الطرق.

لذلك الأفضل التركيز على القضايا الوطنية، ومخاطبة المجتمع السوداني في كل صغيرة وكبيرة، لأنه هو صاحب المصلحة أولاً وأخيراً.

ومخاطبة المواطنين الهدف منها؛ هو خلق مواطن يتعامل مع القضايا من خلال الوعي، لأنه هو الذي سوف يتصدى للأجندة التي لا تخدم مصالح الوطن والمواطنين.

والشعب هو الذي يدفع ضريبة التضحية.. ليس كل ما يراد عمله يجب التوسل فيه للخارج.

إذا كانت القيادة في السودان تريد أن تتعامل مع الخارج عليها أن توضح ماذا تريد من الخارج؟ وما هو المقابل الذي سوف يدفعه الوطن مقابل ذلك؟.

وهي قضايا لابد من إشراك الرأي العام فيها من خلال طرح القضية للناس، وقبول وجهات النظر والحوار فيها، والتي دائماً تأتي من الصحافيين والإعلاميين والمثقفين والسياسيين ومن المواطنين بشكل عام.

هذه هي المساحات التي توسع دائرة الحرية وتجعل لها مكانة في ذهن أي مواطن، بغض النظر عن مكانته في السلطة.

أو في المجتمع، عليه أن يقبل الرأي الآخر.. الديمقراطية ليست شعارات بغرض الهتاف أو في مواجهة الآخرين.

الديمقراطية سلوك واحترام للدستور والقوانين واللوائح واحترام للرأي الآخر، هذه الأشياء تأتي وتترسخ عبر الممارسة.

هي أيضاً سوف تنتج ثقافة ديمقراطية سوف تغرس جذورها في الأرض، وأيضاً عبر السلوك الديمقراطي يتشكل الوعي الديمقراطي، وكلها سوف تترسخ في المجتمع.

إن تغريدة رئيس الوزراء بهدف تجديد وثائق السياسيين في الخارج، دون أن تكون مرتبطة بفاعلية الحوار والتحضير له وفتح الحوار له، تصبح دعوة مشكوكاً فيها.

لأنها منطلقة من فراغ سياسي، ولكن عندما ترتبط بعمل بدأ يشكل أرضية للحوار الوطني في الداخل سوف يدفع كثيرين أن يفكروا في المسألة بصورة جادة.

لذلك تصبح الدعوة كأنها مرسلة للدول الخارجية التي يعتقد رئيس الوزراء لابد من الانحناءة للخارج لكسب وده، سوف تفقد السلطة في السودان هيبتها ومصداقيتها.
نسأل الله حسن البصيرة..

زين العابدين صالح عبد الرحمن

رصد: صحوة نيوز

* تابعنا على الفيسبوك من هنا

البرهانالسودانرئيس الوزراءعودة المعارضينكامل إدريس