بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
أصدرت نقابة الصحفيين السودانيين بياناً تعلن فيه موقفاً جديداً من الصراع السياسي والحرب في السودان، بعد ما كانت جزءاً من «تقدم ثم صمود»، لكنها لم تبين ما هي الأسباب التي قادت لهذا التغيير.
وللعلم، هناك تنظيمان: «الاتحاد العام للصحفيين السودانيين»، وبعد ثورة ديسمبر 2018 بثلاث سنوات تم تكوين «نقابة الصحفيين السودانيين» في أغسطس 2022م. وبعد الحرب اتخذت النقابة موقفاً سياسياً، وظلت في حالة انحياز كامل لجانب «صمود»، المرتبطة بوثيقة سياسية مع الميليشيا، ودون أن تبين النقابة لماذا اتخذت الموقف المنحاز.
في تغريدة كتبها الصحفي عبد الحميد عوض، الذي كان عضواً في مجلس النقابة، وقدم استقالته من المجلس بسبب موقف النقابة المنحاز، يقول في التغريدة:
«كتبت قبل عامين أطالب وأكرر الطلب بانسحاب النقابة من كل التحالفات السياسية، بما في ذلك تحالف “قحت صمود”، فرفض مجلس النقابة مقترحاتي في كل مرة، حتى اضطررت إلى الاستقالة من المجلس بعد احترام رأي الأغلبية. اليوم قرر المجلس إنهاء وجود النقابة في التحالفات السياسية».
ثم يطرح عوض سؤالين مهمين: لماذا أدرك المجلس أهمية الاستقلال النقابي الآن وليس قبل ثلاث سنوات؟ وكيف يعالج آثار الانضمام السابق وما أحدثه من شروخ وزعزعة ثقة؟ ويبين عوض أن القرار اتخذ بعد نهاية أجل المجلس.
كان المجلس قد أصدر بياناً يوم 14 سبتمبر 2026م، وضح فيه موقفه الجديد بعدم الميل إلى أحد أطراف الصراع. الغريب أن البيان يحمل ذات المصطلحات السياسية التي ترددها قيادات «صمود» إنكاراً لمواقفهم المؤيدة للميليشيا.
تقول الفقرة التي يراد بها تغيير الموقف القديم:
«تأكيداً لرسالتها الأخلاقية والوطنية في صيانة الحريات العامة وحرية التعبير، ودعم الحكم المدني الديمقراطي، وحرصاً على وحدة النقابة وعضويتها، يقرر مجلس نقابة الصحفيين السودانيين إنهاء مشاركة النقابة ككيان مؤسسي في أي تحالف ذي طبيعة سياسية أو تنظيمية منخرط في النزاع. وسيُنفّذ هذا القرار بما يراعي تعزيز استقلالية النقابة من جهة، وعدم إضعاف القوى المدنية الرافضة للحرب من جهة أخرى.
ويستند هذا التوجه إلى ضرورة تمتع النقابة بالاستقلالية الكاملة، وابتعادها عن التجاذبات السياسية، مع تمسكها الثابت بالمبادئ الأساسية الخاصة بحريات الإعلام، ومناهضة الحرب، والدعوة للسلام، والإيمان بالتحول المدني الديمقراطي، بما يجعلها أكثر تعبيراً عن قاعدتها الصحفية بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية».
ومن خلال تغريدة عوض والتعليق عليها من عدد من الصحفيين، بأنهم كانوا رافضين لموقف النقابة، ولكن المجلس لم يراعِ كتاباتهم.
أما دعم الموقف المدني الديمقراطي، فهذا مثل شعار الديمقراطية، يردد كشعار وليس ممارسة، دون احترام للرأي والرأي الآخر. لا أعتقد أن هناك شخصاً رافضاً للحكم الديمقراطي ودور الأحزاب، لكن تختلف الرؤى فيه، والحوار وحده هو الذي يقرب المسافات، وليس فرض الرأي والشروط على الآخرين.
والأيام سوف تثبت من الذين يبيعون السراب للناس من أجل الوصول إلى مصالح خاصة، ومن الذين يريدون فتح أبواب الحوار للآخرين للوصول إلى مشتركات.
كان مجلس النقابة من المفترض أن يبعد النقابة من عملية الانحياز احتراماً للمهنة، لكن من حق أي صحفي أن يتخذ الموقف الذي يراه مناسباً لقناعاته، على أن لا يورط النقابة كمؤسسة في هذا الموقف.
ورفض المجلس عدم احترام مطالب الصحفيين بعدم انحياز النقابة، كما ذكر كثير من المغردين، حتى يستطيعوا أن يؤدوا عملهم المهني. لكن مجلس النقابة كان مصراً أن تكون النقابة إحدى أدوات العمل السياسي إلى جانب «صمود» والميليشيا.
إن انقسام «تقدم» إلى جزأين ليس بسبب اختلاف في الرؤى كما يحاول البعض تبريره، إنما هي عملية تكتيكية بهدف عملية ضغط على الجيش خارجياً من خلال العمل بتعدد المنابر، ويكون الهدف الاستراتيجي موحداً.
يصبح السؤال الذي طرحه عوض يحتاج إلى إجابة مقنعة: لماذا أدرك المجلس أهمية الاستقلال النقابي الآن وليس قبل نحو ثلاث سنوات؟
إن انتقال مؤسسات الدولة من بورتسودان إلى الخرطوم، واستقبال رئيس مجلس السيادة للوفود الخارجية والمتنوعة، إلى جانب اعتماد سفراء الدول في القصر الجمهوري، وحراك مجلس الوزراء ونشاط الوزارات والمؤسسات، والنشاط الثقافي للمبدعين في العاصمة، وحراك الحوار والتقاء القوى السياسية مع الخماسية وغيرها، إلى جانب انتقال أجهزة الإعلام لمقراتها الرئيسية في العاصمة، كل هذا الحراك يعتبر المادة الأساسية للعمل الصحفي.
وأيضاً لقاء الإعلاميين مع رئيس جهاز المخابرات والقائد العام للجيش في القيادة، والذي كان وراءه «الاتحاد العام للصحفيين السودانيين»، كلها شكلت حالة من الضغط للنقابة، وجعلتها تحدث تغييراً في موقفها.
وربما يكون هناك عامل آخر لا يريد المجلس أن يفصح عنه، خاصة في ظروف الحرب والتدخلات للنفوذ الخارجي، تكون دائرة الشك أقرب من اليقين.
البيان الذي صدر لم يجب على الأسئلة. كان من الممكن أن يكون مقنعاً إذا كان المجلس الذي قرر الانحياز استقال كل أفراده، وجاء مجلس جديد اعتمد هذا الموقف الجديد، لكن وجود القدامى وترحيب قيادات من «صمود» بالموقف الجديد يكون مدعاة للتساؤل.
المهم أن قيادة النقابة أدخلت عضويتها في صراع سياسي ما كانوا يريدون الدخول فيه، وسوف تبقى آثاره باقية على صفحات النقابة.
وكما ذكرت، من حق أي صحفي أن يتخذ الموقف الذي يعتقد أنه الصواب، لكن عليه أن لا يحمله على الآخرين؛ لأن عضوية النقابة تحتوي على العديد من القناعات السياسية، وتيارات فكرية مختلفة، وهي تنظيم يهتم برفع قدرات الأعضاء والمطالبة بحقوقهم وعدم التقول على المهنة من قبل مؤسسات الدولة المختلفة، إلى جانب العمل من أجل تسهيل مهمة الصحفيين.
إن تصحيح المواقف مسألة جيدة، والصراحة مطلوبة، لكن السؤال: لماذا اتخذ مجلس النقابة موقف الانحياز وحمله للآخرين؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تصحيح الموقف؟
نسأل الله حسن البصيرة.