هل يجيب المؤتمر السوداني على أسئلة حائرة؟

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
في زحمة التظاهرات في الشارع السوداني أواخر 2018م، أبعدت الإمارات عدداً من السودانيين المنتسبين للمؤتمر السوداني في الإمارات.

باعتبار أنهم يمارسون العمل السياسي، وكان من بينهم رئيس الحزب المهندس عمر الدقير.

بعد سقوط “نظام الإنقاذ” في 11 أبريل 2019م، بدأت دولة الإمارات تقدم دعوات لعدد من القيادات السياسية لزيارة أبوظبي.

وبعد عودة هذه القيادات إلى البلاد لم توضح ما هو الهدف من هذه الزيارات، ومن هي الجهة التي التقت بهم هناك.

لكن في ندوة الحزب الشيوعي التي أُقيمت في ميدان المدرسة الأهلية، تساءل محمد مختار الخطيب، سكرتير الحزب الشيوعي، عن الدعوات التي تُقدم لبعض القيادات لزيارة دولة عربية وما هو الغرض منها.

بعد سقوط نظام الإنقاذ، وبدأ ماراثون الوثيقة الدستورية بين قوى الأحزاب والمكون العسكري، طُرحت العديد من التساؤلات حول قضايا مختلفة.

وكأنما الحزب الشيوعي كان يتخوف من حزب المؤتمر السوداني عندما طلب من عمر الدقير إصدار بيان مشترك يؤكدان فيه الالتزام بمبادئ الثورة وعدم التراجع عنها. كان الطلب غريباً.

لكن إذا رجعنا إلى بيان الحزب الشيوعي الذي أصدره في 15 أبريل واتهم فيه عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، ومريم الصادق، نائبة رئيس حزب الأمة، بأنهما قد اختطفا منبر قوى الحرية والتغيير.

ورغم رد حزب المؤتمر السوداني في بيان يوم 17 أبريل 2019م، فإن الشكوك عند الشيوعيين ظلت باقية وتتجدد كل مرة.

المؤتمر السوداني والانتخابات الحزبية

عندما بدأ حزب المؤتمر السوداني التحضير لقيام مؤتمره العام، بدأت تطل في ساحة الحزب مجموعة تريد أن تقدم نفسها للانتخابات الحزبية.

وقرب المؤتمر أصدر الحزب عدداً من القرارات التي تعيق عملية ترشيح مجموعة القيادات التي كانت تريد منافسة الدقير والمجموعة التي تقف في صفه.

كنت قد كتبت مقالاً نُشر في عدد من الصحف في 26 فبراير 2023م بعنوان “المؤتمر السوداني واحتكارية القيادة للشيوخ”، قلت فيه:
“عندما ظهر حزب المؤتمر السوداني كان الأمل معقوداً عليه لكي يحدث واقعاً سياسياً جديداً في البلاد من خلال الممارسة الديمقراطية.

ويسهم في إنتاج ثقافة ديمقراطية في مواجهة تراكم الثقافة الشمولية.

لكن لعنة الطائفية لاحقت قياداته، التي رفضت حتى مجرد السماح للأجيال الجديدة بمنازلة شيوخ الحزب. لذلك لم تسمح بالمنافسة أو مجرد الإشارة إليها.

وحتى هذه اللحظة لم يقدم الحزب أي أطروحات فكرية لكي يتعرف الناس على مرجعيته الفكرية التي تتم عليها المحاسبة.

وفي ظل هذا الفراغ الفكري والثقافي، فضل الحزب طريق الشعارات منذ انطلاق ثورة ديسمبر 2018م،

وذهبت قيادته تتبنى شعارات تعز بها مسيرتها السياسية، وفي ذات الوقت تؤكد أن الشعار تغطية لمصالح النخبة ورغبة في السلطة.

والإجراءات التي قامت بها لجنة الانتخابات أسقطت ورقة التوت: هل كان إبعاد عمر الدقير من أبوظبي له علاقة بقضية التغيير في السودان؟.

وهل كانت شكوك الشيوعيين هي وراء اتهام الدقير باختطاف منبر الحرية والتغيير، ثم مطالبته بإصدار بيان مشترك يؤكد على الالتزام بمبادئ ثورة ديسمبر؟”.

إن المقال الذي كتبته أثار حواراً بيني وبين الأستاذ إبراهيم الشيخ الذي كان يعتقد أن عمر الدقير من حقه أن يترشح مرتين وفقاً للائحة الحزب.

ولم يكن مقالي انتقاداً لترشيح إبراهيم الشيخ، ولكن كان يتساءل لماذا تتم معاقبة القيادات قبل موعد الانتخابات، حتى إذا أرادوا الاستئناف يكون الرد بعد أن تجري الانتخابات.

ولا أعتقد أن المسألة جاءت صدفة في بلد الثقافة السياسية فيه تتوقع أن يحدث ذلك، رغم أن التوقع كان أن يكون حزب المؤتمر السوداني استثناءً للقاعدة، باعتباره حزباً تتكون قاعدته من أجيال جديدة متطلعة إلى عملية التحول الديمقراطي.

إن إبراهيم الشيخ أراد أن يبرر الفعل باعتباره يتماشى مع اللائحة، ولا أعتقد ذلك، إنما هو تلاعب باللائحة.

وقد كتبت رداً على إبراهيم الشيخ في مقال يوم 3 مارس 2023م بعنوان “المؤتمر السوداني يطالبني بالاعتذار ولكن..!”،

قلت فيه:
“ومادامت الثقافة الديمقراطية في بلدنا ضعيفة، وتواجه تحديات من قبل ثقافة شمولية راسخة بحكم تراكمها.

فإن اللوائح وتطبيقها في مجتمع يتلمس خطاه في مسار الديمقراطية ليست هي الوسيلة الصالحة وحدها رغم أهميتها.

بل الديمقراطيون دائماً يحاولون البحث عن الحلول عبر الحوار والبعد عن الشبهات، وعبر تطويل أمد الممارسة الديمقراطية عندما تكون هناك قضايا مثارة تقع في شبهة اختلاف الرأي.

كان الأفضل أن تُقدم هذه القضايا إلى المؤتمر العام، بدلاً من اتخاذ قرارات لحرمان هؤلاء من حضور المؤتمر والدفاع عن رؤيتهم، فليس هناك قول فوق سلطة المؤتمر.

ولكن تأخير النتائج حتى قرب المؤتمر ثم إخراجها بعد ذلك لمقصد تريده القيادة، يعني ذلك حرمان هؤلاء من المشاركة في المؤتمر.

لأن الاستئناف سوف يتأخر حتى ينتهي المؤتمر. صحيح تكون القيادة قد استخدمت اللوائح، لكن بقصد عزل منافسين، وليس بقصد ممارسة ديمقراطية”.

هذا يقودنا إلى استقالة حنان حسن “نقطة في سطر تجربتها”. وحنان تثير قضية مهمة هي الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية.

أو ما أطلقت عليه “مركزية القرار”، وأن هناك عدداً محدوداً من الأفراد يتحكمون في عملية اتخاذ القرار.

ورغم أن مثل هذه الشكوى عامة في الأحزاب السودانية، حتى الأحزاب الجديدة واليسار واليمين جميعهم يعانون من تضييق مساحات الحرية.

وسيطرة فئة قليلة على القرارات في الأحزاب، وهي حالة الضمور التي تعيشها آليات إنتاج الثقافة الديمقراطية.

فالثورة من أجل الديمقراطية يجب أن تنطلق من قواعد الأحزاب الذين يشكلون أداة رئيسة في فشل استمرار النظم الديمقراطية.

لأن الرصيد الديمقراطي قليل وغير مساعد على الاستمرار.

لكن المشكلة بعد انتصار ثورة ديسمبر 2019م، أن تدخل النفوذ الخارجي في الشأن السياسي السوداني أصبح يشكل خطراً أكبر ليس على الديمقراطية واستمراريتها فحسب،

بل كان محاولة لاختطاف البلد كلها تحت مسميات يحاول البعض تزيينها.

ويبقى السؤال: هل الذين كانوا يحجون باستمرار إلى أبوظبي في فترة الثورة والفترة الانتقالية كانوا يدركون أن هذا الحج له أضرار بالثورة وبالوطن

فأصروا على الاستمرار، أم ماذا كانوا يعتقدون في ذلك؟ نسأل الله حسن البصيرة.

الاماراتالانقاذالمؤتمر السودانيعمر الدقير
Comments (0)
Add Comment