بقلم: د. عبدالسلام محمد خير
في هذه الآونة التواقة للمزيد من الانتصارات، بادر اتحاد إذاعات الدول العربية بتكريم إعلامي سوداني، الأستاذ يس إبراهيم، ابن التلفزيون البار (تونس، 23 سبتمبر). هنّأه العاملون، فشكرهم عبر خبير تدريب شهد بداياته وأثنى عليها، الأستاذ علي الريح. نحيّي ريادته لتدريب المتميزين من رواد الاستديوهات والمدرجات.
انبرى يتوسط المهنئين المذيع جمال الدين مصطفى، مدير الإدارة الثقافية، ومن بعد مدير عام للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، فأفاض بما يُحفّز لإضافات محببة لسيرة مفعمة بصدى الذكريات، صادقة ونبيلة.
0.. فجأة غمرت الحاضر المتعافي نسمة لامست الأنفس.. عطاء سوداني فخم تمدد فضائيًا من المحيط للخليج، يشرف الأوسمة، ويحرك في أهل الإعلام نوازع الفخر بشيء سوداني مُحتفى به بالخارج. تكريم يشعل الخواطر بصدى عراقة تلفزيون السودان وعزّه الموروث، مما يلوح بريقه في كسب أبنائه، جيلًا بعد جيل، فيسارع الحادبون لتمجيده، باستدعاء الذكريات.
0.. كثيرون علّقوا مهنئين، عن وفاء.. استوقفتني تجليات (جمال) عن (يس)، ومنها قوله: «كم هو جميل أن يأتي التكريم من مؤسسة إعلامية عربية»، ثم يُرسل التهاني للإعلام السوداني «الذي أنجبت مؤسساته رجالًا استطاعوا أن يحملوا اسم السودان وخبرته المهنية إلى المنابر العربية».
ليت هذه الإشارة اللماحة تبلغ منتهاها، وقد صادفت من الأجواء ما يجعل تأثيرها مضاعفًا، مجددًا لروح التفرد في إسهامات البلاد خارجها منذ عصر (باندوق).. وكم من مثال.
0.. إنه ليس تكريمًا لإعلامي سوداني فقط، وإنما تكريم للمهنة والمؤسسة والبلاد.. سيرة وانفتحت.. (العطاء بتميز وفي صمت) هاجس البلاد الآن. فعلها إعلامي.. هكذا عرفته من خلال العمل معًا، برؤية مشتركة وعن مودة.
و(عن مودة) هذه تذكرني مشهدًا يطيب تذكاره هنا.. فالتكريم لا يتسنّى صدفة. المبدع الأستاذ عماد الدين إبراهيم، مدير الدراما، رحمه الله، صادفنا نناقش هموم الإدارة الثقافية، فبادرني متبسّمًا: «يس، هذا اتربّى في حضن الثقافة»! يقصد أنه تقمّص (روح العمل) بوعي، فتذكرت ما انتهت إليه ثقافة العصر: (الإدارة بالمودة)!.
قوامها إداري (كاريزما)، أي (مُهاب) و(محبوب)، شعاره (العمل بشغف)، كقول (ناس الجودة). ظللت أتذكر (عماد الدين) ومقولته هذه اللماحة، وتلك المتفائلة: «المَطرة تزيل الخوف الفينا».
في آخر مؤتمر للعاملين بالهيئة، قبيل الحرب، اشتعل الحوار حول (مرجعية للبرامج) لا تهزمها المتغيرات. كنت معقبًا فقلتها: «المهنية عن محبة».
وكان أمامي (يس هذا وجمال) وأتراب تربّوا في (حضن الإدارة الثقافية)، فأشرت إليهم مباهيًا: «هؤلاء مثال». بوركت بصماتهم.
0.. عرفت (يس) صحفيًا مجددًا، مطّلعًا.. له بصمة تلفزيونية تحدث عن نفسها: (بلا قيود)، (معاني)، وسهرة تفيض إبحارًا في عوالم الآخرين بإخراج بدر الدين حسني، عليه رحمة الله، وأخرى في فضائل الأسحار، مسامرة مع رموز الدعوة وأسرهم،
يقدمها (يس) بالتناوب مع بروفيسور التجاني حسن الأمين، ودكتور عبد المطلب الفحل، رحمهما الله، إعداد الأستاذة ملاك حسن أحمد، رحمها الله، وإخراج المبدع عادل عوض.
برامج استقطبت أهل الرأي والثقافة والعطاء.. أول برنامج للمغتربين، بداية البث الفضائي، من تقديمه.. توقف لتعاود الفكرة شامخة عبر (مراسي الشوق)، بفريق متميز يبتدر ابتكاراته المخرج المبدع شكر الله، كأبهى ما يكون إبهار الشاشة، تواصلًا.
وشارك (يس) في تقديم (مشوار المساء)، وأسهم في تجديد البرامج الدعوية.
0.. كُلّف مشرفًا على برامج شهيرة تتبع للإدارة الثقافية، منها (أسماء في حياتنا).. اصطفاه الدكتور عمر الجزلي رفيقًا للتوثيق للمشاهير.. بل اختصه، في خطوة جريئة، ليحل محله مقدمًا لحلقة استثنائية، فالضيف هذه المرة (جزلي) نفسه!.
تجربة مثيرة للخواطر واللطائف.. أتصوره يترقب منا تهنئة له بتميز (يس)، فلطالما كان يحذرنا من إعفائه من الإشراف على برنامجه، مهددًا: «دا ابني»!
التحية له في مهجره، غائبًا حاضرًا كعهده، والآن عبر الأسافير والذكريات.
0.. ويظل (يس) حضورًا.. أتحفني قبل أيام بتوثيق مدهش لبرنامج (وجه النهار)، دعمًا لدراسة عن (العمل الصالح) وبشرياته، كمدخل اجتماعي (لاستكمال الإيمان).
هذا دليل لوجود ذاكرة حاضرة، تتصدر مبررات الاحتفاء بإعلامي غيور على المهنة والبلاد.
شكرًا (يس).. أكاد أقولها: (دكتور يس)، فإنها وشيكة، بإذن الله، بعد أن اجتاز وأسرته، بلطف الله تعالى، فظائع الحرب.
الحمد لله، وعلى نبيه الصادق الأمين أتم الصلاة والتسليم.