الإعلام الشعبي: أصوات غائبة

0 38

حكاية من حلتنا يكتبها: آدم تبن
نعرف جميعًا أن الإعلام بوسائله المختلفة: الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون، والوكالات الإخبارية، والإعلام الشعبي، وحديثًا الإعلام الجديد أو كما يطلق عليه «مواقع التواصل الاجتماعي»، لا يمكن للمجتمعات أن تستغني عن خدماتها التي تقدمها لها، وتشمل، كمثال، الأخبار والتقارير والترفيه والحوار والإعلان.

والناس قديمًا كانت وجهتهم المحببة الإذاعة لسهولة وصولها إلى المجتمعات، ونافستها الصحافة في الوسط المثقف، وعندما ظهرت شاشات التلفزيون توجه الناس إليها، مفضلين الجلوس لساعات طويلة أمام تلك الشاشة التي تقدم البرامج بالصورة والصوت والألوان.
ولكن، كما يقول مثلنا الدارج: «دوام الحال محال»، وكما قال الشاعر:
«كل دور إذا ما تم ينقلب
فلا يغر بطيب العيش إنسان».

وعندما جاءت ثورة الإنترنت والهواتف المحمولة، تلهف الناس للمعرفة والمعلومات، وأصبح شغلهم الشاغل: كيف أربط الحاسوب بالشبكة العنكبوتية حتى أواكب الأحداث من حولي وحول العالم؟ وعندها سمّى خبراء الإعلام ذلك التوجه الجديد بأن «العالم أصبح قرية»، حيث يأتيك الخبر أو المعلومة في كسر من الثانية.

ولم تكن تلك النهاية، بل كانت بداية لعهد جديد تستطيع أن تواكب فيه مختلف الأحداث في العالم بضغطة زر على هاتفك المحمول، بالصوت والصورة الثابتة والمتحركة (فيديو وفوتوغراف)، بل وتتفاعل بالمشاركة في الاجتماعات والورش والبرامج المختلفة.

والإعلام الشعبي في مجتمعنا كان له دور بارز اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا ورياضيًا وثقافيًا وإعلانيًا، وكانت له أصوات أخذت شهرتها بما تقوم به من عمل إعلامي يساهم في تحريك المجتمع للمشاركة في الفعاليات المختلفة وتحفيزهم بأن يكونوا حضورًا بارزًا فيها.

وفي الحقيقة، لا تخلو قرية أو مدينة أو حي من شخصية معروفة توصل الرسالة عبر الصوت للمجتمع، كالإعلام المحلي الذي شكّل حضورًا لفترات طويلة. إلا أن تقلبات الأيام ومستجدات العصر ودخول الإعلام الجديد لحلبة المنافسة جعلت الإعلام الشعبي يغيب عن المشاركة والتفاعل مع الأحداث، ولم نعد نسمع تلك الأصوات المحببة التي كانت تنادي بأن هناك فعالية رياضية أو اجتماعية في مكان معين.

حتى السينما كان لديها إعلام شعبي يذكر روادها بأن هناك عرضًا لفيلم جديد سيكون قريبًا. وطبعًا، لمن لم يحضر السينما من الأجيال الحديثة، فإن العروض السينمائية تكون دائمًا في دور السينما وتُعرض ليلًا (دور أول ودور ثانٍ)، وحاليًا أصبح عرض الأفلام متاحًا في أي وقت من الهاتف الجوال، وتلك هي مفارقات العصر الحالي.

ويتبادر إلى الذهن سؤال: هل يمكن أن يعود الإعلام الشعبي بأصوات جديدة إلى الساحة، أم أن هذا غياب أصواته سيكون مستمرًا؟
فالواقع يقول إن الإعلام الشعبي يمكن أن تعود أصواته مجددًا لتلعب دورًا مهمًا في خدمة المجتمع، حتى في ظل سطوة مواقع التواصل الاجتماعي وتغلغلها في المجتمع، خاصة وسط الشباب والفئات المثقفة.

إن تكلفة الرسالة الإعلامية في الإعلام الشعبي قليلة مقارنة بتكلفة مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحتاج الرسالة هنا إلى احترافية في مضمونها، خاصة عندما تتحول إلى صورة وصوت. وهنا يمكن للإعلام الشعبي أن يقدم نموذجًا إبداعيًا بالصوت المألوف لتوصيل الرسالة إلى المجتمعات القريبة، مثلًا في أحياء المدن الصغيرة أو القرى.

فأغلبية الناس يعرفون أن هذا «صوت فلان»، وهو مألوف لديهم، فيستمعون إليه بإنصات لتصلهم الرسالة التي يرسلها إليهم.
ومؤكد أن الإعلام الشعبي غابت أصواته لفترات طويلة، إلا أن فرصة ظهوره مجددًا تحتاج إلى اكتشاف تلك الأصوات المبدعة صاحبة الحضور، لتوصيل الرسالة إلى المجتمع.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق