العقل المعطل سببا في إطالة الأزمة
أن تعطيل العقل الإنساني ليس هو مرض يصاب به الإنسان ويؤدي إلي العجز في التفكير الصحيح، أنما هناك عدة أسباب.
تؤثر بشكل مباشر في تعطل العقل، ولا تجعله يفكر بصورة سليمة ومنطقية لكي يجتاز العقبات والتحديات التي تواجه مسيرته في الحياة.
منها الانشغال بالقضايا الثانوية، أو الهامشية بعيدا عن جوهر القضايا، وسيطرة العاطفة على التفكير والتي تبعد الشخص عن الموضوعية.
وفي السياسة عدم قراءة الواقع بصورة صحيحة لمعرفة أماكن القوة فيه والضعف في المجتمع.
ومعرفة الميكانيزمات الفاعلة فيه، و المؤثرة بشكل مباشر في الفعل السياسي، وأيضا المصلحة أو المصالح تلعب دورا أساسيا في المعرفة.
أو تغبيش للوعي والحد من الفعل العقلي، وأيضا عدم معرفة الأدوات التي تحتاجها كل مرحلة من المراحل.
وغيرها من القضايا الأخرى التي تبرز من خلال الفعل، وخاصة الصراع السياسي بين التيارات المختلفة.
عندما قامت الجبهة الإسلامية بإنقلابها في 30 يونيو 1989م، كانت قيادتها تعتقد أن لديها مشروعا سياسيا تريد تطبيقه.
واعتقدت هو المشروع الذي يتناسب مع أهل السودان، هذا التصور جعلها تركز على عدد من الأجندات.
منها أن تحدث تغييرا في طريقة التفكير، وتغييرا في التراتبية الطبقية في المجتمع ولذلك انشأت وزارة التخطيط الاجتماعي.
التي أوكلت إلي على عثمان محمد طه ثم رفدت ذلك بتغيير في القوانين التي تسهل عملية التخطيط الاجتماعي.
أرادت أن تسكت أية رأي معارض لذلك أقالت عددا كبيرة في الخدمة المدنية للصالح العام، وأرادت فرض ثقافة جديدة في المجتمع غيرت السلم التعليمي والمناهج.
وصادرت حرية التعبير وصادرت الصحف واحتكرت الإعلام.. ماذا بعد ذلك؟.
بعد كل الذي فعلته قيادة النظام الحاكم من مصادرات للرأي، وخلق أدوات أمنية عديدة لكي يحافظ على نفسه.
نجد أن الصراع قد تحول بعد ما كان بين النظام الحاكم وبين قوى المعارضة إلي صراع داخل النظام نفسه.
لآن كل شخص داخل النظام أصبح يبحث عن مصالحه الذاتية، عن موقعه داخل هذه المنظومة الجديدة.. ومن بيده أدوات الفعل.
لذلك كانت المفاصلة 1999م التي أدت إلي إنشقاق طولي داخل نظام الحكم.. وبعدها بدأت تظهر مراكز القوى داخل النظام.
ماذا قالت قيادة الحركة الإسلامية في ذلك.؟ قال الترابي أنهم لم يدربوا عناصر التنظيم على الحكم وإدارت المؤسسات لذلك ظهر الفساد.
وقال الدكتور غازي صلاح الدين الحركة أهتمت بتأمين النظام والحكم أكثر من اهتمامها بعملية البناء والتنمية لصالح المجتمع.
وقال توقف الاجتهاد والتفكير الأمر الذي جعل الكل يفكر فقط في كيفية الحفاظ على السلطة.
هذا غير النقد الذي كان موجها من قبل قيادات أخرى مثل الدكتور الطيب زين العابدين، والدكتور التجاني عبد القادر والدكتور عبد الوهاب الأفندي وغيرهم.
هناك قصور مفاهيمي عند بعض المثقفين الذين يعتقدون أن الأسلاميين الذين كانوا ينقدون نظام الإنقاذ إذا لم يغادروا مرجعيتهم الفكرية يصبح نقدهم غير مفيد لماذا..؟
هل هناك من المثقفين من يسأل نفسه، لماذا ثورة ديسمبر لم تخرج من الجامعات ولا من دور الأحزاب السياسية ولكنها خرجت من الأحياء السكنية؟.
لأن حركة الوعي في المجتمع أصبحت أكثر اتساعا في وعيها من تلك المؤسسات التي طوال سنين حكم الإنقاذ لم تنتج أدبا سياسيا، أو تقدم مشروعا سياسيا تلتف حوله الجماهير.
بعد سقوط نظام الإنقاذ عجزت القوى السياسية منفردة أو متحالفة أن تقدم مشروعا سياسيا تتبناه الجماهير.
فأصبح الفعل السياسي دون هاديا، أنما هو مركون لجدل اليوم باليوم، وجدل الفعل اليومي ليست لديه رؤية كما يقول مهدي عامل، لأنه لا ينتج معرفة ولا وعي.
والقوى السياسية التي تصبح اسيرة لجدل اليوم، لا تستطيع أن تنتج معرفة، ولا ثقافة جديدة تتلاءم مع الشعارات التي ترفعها.
أنما حاولت قيادة “قحت” تطبيق تجربة بافلوف أي “الاستجابة الشرطية” واستخدمت مثيرا وحدا “الإسلاميين والفلول”.
كمثير شرطي يحدث شيئا من الاستجابة، مادام لم تستطيع أن تجد لها مثيرا أخر..كما يستخدم كمبرر للأخطاء التي تقع فيها.. لذلك بإرادتها عطلت عقلها.
السؤال الذي يهرب منه كل الذين قد حصروا أنفسهم في الردحي اليومي لقضية “الإسلاميين والفلول” بأنها القوى المسيطرة على الفعل.
وتعطل وصول القوى المدنية لمبتغاها، إذا ما هي رؤيتهم لحل هذه المعضلة..؟ وكيف يستطيعوا أن يبعدوا قوى سياسية هم انفسهم يقولون عنها أن لها تأثيرا قويا في مؤسسات الدولة وفي المجتمع؟.
هذه المقولات جعلتهم لا يستطيعوا التفكير خارج هذا الإطار.. وبالتالي تعطل العقل وتجده يقف في محطة واحدة، بأن الإسلاميين يحولوا بينهم وبين المصالح التي يستبطنونها.
عندما تصبح المصالح الخاصة؛ إذا كانت حزبية أو فردية سببا في تعطيل العقل، سوف تجعل التفكير محدودا ليس له أفقا واسعا.. راقب القنوات الفضائية عندما تستضيف قيادي سياسي.
دائما تكرر عليه سؤال موقفكم من مشاركة “الإسلاميين في الحوار” لآن الأخرين يعرفون معضلة العقل السياسي لجانب من جوانب القوى السياسية.
التفكير الحر الذي يبحث عن حلول لمشكل قضية الحكم في البلاد، يجب أن لا يقيد العقل بشروط تحده عن التفكير الكلي في المشكل.
والبحث عن أسباب الفشل ومعرفتها، وفحص الأدوات التي تسهم في عملية الخروج من الأزمة.. لكي يستطيع أن يقدم الأفكار الناجعة التي تنشط الفعل العقلي في المجتمع، وليس العواطف السالبة.
والوصول إلي نظام ديمقراطي يتيح التبادل السلمي للسلطة، لا يتم عبر الشعارات والهتافات، بل بتقديم الأفكار التي تجعل الكل يشارك في الحوار من أجل الوصول للتوافق الوطني.
الذي يمهد إلي عملية الاستقرار السياسي والاجتماعي والتبادل السلمي للسلطة.
نسأل الله حسن البصيرة..
بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن

Comments are closed.