بورتسودان.. حين يصبح العطش معركة
بقلم: كمال إدريس
في بورتسودان، لم تعد المياه مجرد خدمة غائبة، بل تحولت إلى سؤال كبير عن الدولة، وعن مصالح تتشابك كلما اقترب أحد من الحل.
القضية قديمة، لكن الحرب جعلتها أكثر قسوة. انهيار سد أربعات في أغسطس 2024 أفقد المدينة نحو نصف إمداداتها المائية، وترك أحياء كاملة رهينة للمياه المنقولة بالشاحنات وبأسعار أثقلت كاهل الأسر. واليوم، وفق البنك الأفريقي للتنمية، لا يغطي الإمداد الحالي أكثر من 40٪ من الطلب.
وسط هذا المشهد ظهر اسم الشاب إيهاب فيصل قمر الدين، مهندس يعمل في مجال معالجة وتحلية المياه، وتداولت منصات التواصل مقاطع له يتحدث فيها عن تعرض مشروعه للإيقاف والتهديد، ويتهم جهات نافذة بمحاولة تعطيل عمله.
هذه اتهامات خطيرة، ولا يجوز أن تتحول وسائل التواصل إلى محكمة. لكنها في الوقت ذاته تستحق تحقيقاً جاداً، لأن السؤال أكبر من إيهاب نفسه.
إذا كان مشروع شاب سوداني يستطيع أن يقدم حلاً لمشكلة المياه، فلماذا يُغلق؟ ومن أصدر القرار؟ وما الأساس القانوني؟ ومن المستفيد من تعطيله؟ وهل توجد مصالح تجارية تتضرر من أي توسع حقيقي في إنتاج المياه وتحليتها؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها حملات التشهير، ولا هتافات المؤيدين والمعارضين. تجيب عنها الوثائق والتحقيق المستقل والشفافية.
لقد ظلت بورتسودان سنوات تدور بين السدود والآبار ومحطات التحلية، بينما تؤكد الدراسات أن المدينة تعاني عجزاً مزمناً في المياه.
واليوم توجد بالفعل مشاريع لإعادة تأهيل محطات التحلية، بينها محطة بطاقة 3 آلاف متر مكعب يومياً، كما أعلنت الحكومة في يونيو 2026 اتفاقية بقيمة 51 مليون دولار لمشروعات المياه في البحر الأحمر.
إذن، لماذا لا تكون المعركة الحقيقية هي إنهاء العطش؟
حماية إيهاب، إن ثبت تعرضه للظلم، ليست منّة عليه. وحماية المال العام ليست خصومة مع التجار. المطلوب دولة تفتح الطريق لكل حل قانوني يخفض كلفة المياه ويزيد إمداداتها.
بورتسودان لا تحتاج مافيا جديدة، ولا أبطالاً من ورق. تحتاج ماءً يصل إلى بيوت أهلها، وقانوناً لا يسمح لأحد بأن يجعل من عطش الناس تجارة بلا نهاية.
