تصورات التفكير لمرحلة ما بعد الحرب

0 76

قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: “إن السودان تحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين عدة دول، داعياً إلى وقف إطلاق النار”.

أما مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بوليس “تاجر الخردة”، فقد نظر إلى الحرب من خلال استثماراته، لذلك توقف عند طلب الهدنة ولم يستطع تجاوزها، لأسباب تتعلق بمصالحه الخاصة التي لا تجعله ينظر للحرب بكل أبعادها، ووقف عند حدود التوجيهات التي تُقدم له.

إن الحرب قد تجاوزت مرحلة الهدنة، وإن الجيش عازم على إنهائها عبر الحسم العسكري، رغم محاولات التشكيك من قبل المليشيا والقوى الداعمة لها. كما أن المسألة قد تجاوزت مرحلة التفاوض مع المليشيا بهدف الوصول إلى مساومة سياسية تعيد البلاد إلى حالة الصراع السياسي الذي كان قبل الحرب. فالأحداث يومياً تحدث تغييراً في الأجندة السياسية، وترتيباً في سلم الأولويات.

لكن الملاحظ أيضاً أن هناك من يحاول تقديم افتراضات مأخوذة من الخيال وليس من الحقائق والواقع على الأرض. وهي افتراضات هدفها المحافظة على الوجود، وفي نفس الوقت تُعد تغبيشاً للوعي. الأمر الذي يؤكد أن درجة الوعي في الشارع أصبحت أوسع من المؤسسات السياسية وإعلامها.

إن نسج المعلومات وصناعة الأحداث من الخيال وليس من الواقع تؤكد حالة التراجع في العقل السياسي المتماهي مع المليشيا. والغريب في الأمر أنه كلما تجددت الأحداث وتغيرت الأجندة، يحاول هؤلاء التسابق معها بنسج أحداث جديدة من الخيال، تتناقض مع ما قدموه من قبل. وهذا يعود للشعور بالهزيمة أمام متغيرات ليس لهم فيها يد، أو لأن عقلهم عجز عن استيعاب المتغيرات التي تحدث في الواقع.

القضية الأخرى نجد أن القوى السياسية، والتي من المفترض أن تدرك أن المرحلة تتطلب تقديم “مشروع سياسي” لبناء الدولة لما بعد الحرب، هي نفسها عاجزة عن الانتقال إلى هذه المرحلة.

فهي مجموعات تعودت أن تفكر بعدما تفكر لها المؤسسة العسكرية من خلال قياداتها في مجلس السيادة، ومن خلال التصريحات التي تُقال في المناسبات وأمام التجمعات الجماهيرية. ثم تأتي القوى السياسية ليصبح قادتها أدوات “لشرح المتون”.

مثل هذه القوى السياسية لا تستطيع بناء دولة، أو حتى المشاركة في عملية البناء، لأنها لا تمتلك عقولاً قادرة على إنتاج الأفكار. ثم بعد ذلك تلوم تدخل العسكر في العمل السياسي، رغم أن المسألة طبيعية جداً؛ فالسياسة لا تقبل الفراغات.

المطلوب من القوى السياسية، سواء كانت أحزاباً أو تحالفات، أن تقدم تصوراتها لمرحلة ما بعد الحرب، وأن تنقل العقل السياسي وغيره من حالة الجمود التي يعيش فيها إلى الفاعلية الخلاقة. أي حالة من العصف الذهني الذي يخلق حواراً هادئاً في المجتمع، ويعتمد في بنائه على الحقائق وليس على نسج من الخيال والوهم.

إن حدوث حوار وطني ومجتمعي سيُبرز من خلاله قيادات جديدة لها طريقة جديدة في التفكير. نسأل الله حسن البصيرة.
زين العابدين صالح عبد الرحمن

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق