حزب الأمة ومآلات الإنقسام
في الأسبوع الثالث من يونيو 1999م وزعت مؤسسة الإهرام رقاع دعوة لحضورة حوار سياسي مع وزير الإعلام السوداني الدكتور غازي صلاح الدين العتباني في مقر المؤسسة يوم 25 يونيو.
ووزعت الدعوة للعديد من القيادات السياسية في التجمع الوطني الديمقراطي والإعلاميين والصحافيين، ذهبت للندوة ولم يحضر من القيادات السياسية إلا الدكتور إبراهيم الأمين القيادي بحزب الأمة.
لماذا الكل قرر مقاطعة الندوة إلا شخصكم؟ وهل تعتقد الحضور غير مفيد سياسيا وينقص شيئا من الموقف السياسي للفرد أو للحزب؟ .
قال الدكتور إبراهيم الأمين: لا أعرف موقف الآخرين، لكن اعتقد الحضور لا يعني التازل بقدر ما هو مهم لمعرفة كيف يفكر خصمك.. والمحور الذي يفتح به الحوار يكون الهم الذي يشغل المتحدث.
في ذلك اليوم عرفت أن الدكتور إبراهيم الأمين كيف يفكر بعيدا عن المؤثرات والصخب الذي تفعله بعض القوى السياسية لمحاصرة حركة الآخرين..
عندما قرأت عن قيادة الدكتور إبراهيم الأمين لوفد حزب الأمة لبورسودان، والاجتماع مع قيادة حركة العدلة والمساواة.
وصدور بيان، مشترك يؤكدان فيه دعميهما إلي رئيس الوزراء، ومساندة القوات المسلحة.. تيقنت أن الأمين لا يتحرك في أية عملية سياسية بردة فعل.
أنما لديه مقايس خاصة بحكم طول مكوثه في قيادة حزب الأمة، والدكتور إبراهيم الأمين لم يأتي إلي السياسة لكي يتخذها وسيلة معيشة، أو كسبا للمال وغيره.
أنما هو طبيب أخصائي نساء وتوليد، وأيضا مؤلف كتابا عن مياه النيل واتفاقيتها إلي جانب كتب أخرى.. فهو رجل مجتهد في الرأي.
وبعد اتفاقية “نيفاشا” رجع الدكتور إبراهيم إلي ممارسة المهنة إلي جانب دوره السياسي في حزب الأمة، وأصبح الأمين العام للحزب، وابعد من المنصب لخلافات سياسية وارائه..
أن أكثر الأحزاب تضررا من الحرب هو حزب “الأمة القومي” باعتبار أن الحرب تدور بعنف في أماكن نفوذه في ولايتي “كردفان ودارفور”.
والمسألة الأخرى انقسام قيادة الحزب إلي ثلاثة أقسام.. القسم الأول ينقسم إلي قسمين.
1- مؤيد للميليشيا ومتحالف معها وشارك في اجتماعات نيروبي وموقع علي كل بياناتها بقيادة رئيس الحزب فضل الله برمة ناصر.
ومعه مجموعة كبيرة من المكتب السياسي، وهؤلاء أيضا مؤيدين لشكيل حكومة موازية.
2- القسم الثاني يجلس في صمود ويدعي ليس له علاقة بمخرجات نيروبي.
المجموعة الثانية رفضت الانخراط في تحالف “تقدم” والأجزاء التي تشكلت منه، وهؤلاء قاموا بعزل برمة ناصر من موقع رئاسة الحزب والمجموعة المناصر له.
وتم تعين مولانا محمد عبد الله الدومة رئيسا للحزب والدكتور إبراهيم الأمين نائبا لرئيس الحزب وأعلنوا تأييدهم للجيش وثم تأييدهم لرئيس الوزراء.
وأكدوا في بيان لهم ليس راغبين في السلطة أو مشاركة في أية حقائب دستورية.. وهي رؤية حزب الأمة التاريخية أنه لا يشارك في سلطة إلا عبر الفرز الانتخابي.
المجموعة الثالثة هي تعتقد أنها تقف في الحياد ولكن قلوب أغلبيتهم وأرائهم أقرب إلي المجموعة الأولى.
وهذه ترجع لعوامل عديدة اجتماعية، ومناطقية، ولكن ليس لها علاقة بالتاريخ السياسي للحزب.
أن الانقسام داخل مؤسسة الحزب لم يكن وليد الصراع السياسي في الفترة الانتقالية، لآن الإمام كان قادر على قيادة دفة السفينة رغم تلاطم الأمواج.
وبعد رحيل الإمام بدأت تظهر علل الحزب الداخلية، والصراع بدأ دون أجندة واضحة تبين موقف الجانبين المختلفين، ولكنه كان صراعا داخل أسرة الإمام.
من الذي سوف يخلف الإمام في قيادة الحزب؟
أن حزب الأمة الآن يواجه أكبر تحدي في تاريخه السياسي، والانقسام ليس انقساما في القيادة، ويقف في حدودها.
ولكنه انقساما طوليا يصل لقواعد الحزب في مناطقها المختلفة، ويحتاج بالفعل لقيادات حكيمة، وواعية بالأزمة وأبعادها وانعكاساتها على الحزب والوطن واستقرارهما.
إذا ظلت بعض القيادات تعتقد أن الإشكالية تقف في حدود الصراع على خلافة الإمام وقيادة الحزب، تصبح واهمة.
أن الشرخ أكبر من عقول الذين لا يستطيعون التفكير إلا في مصالحهم الخاصة.. خاصة هناك قيادات ابتعدت عن الحزب الآن تحاول أن تستغل الموقف لكي تكون جزءا من الصراع.
أن الأجندة المخبأة عند البعض هي التي تباعد بين مسافات المجموعات لكي تضمن لها موطيء قدم للبحث في أوراق وراثة الإمام.
أن عزل برمة ناصر من قيادة الحزب من قبل مجموعة محمدعبد الله الدومة وتجد دعما من قبل بعض القيادات، وأيضا من قبل بعض أبناء أسرة الإمام.
وتمسك فضل الله برمة بالمنصب مع دعم أيضا من أسرة الإمام سوف تجعل كل جانب يتمسك بخياراته، وهي التي سوف توسع الهوة ويصبح الانشقاق أكبر من الذي حدث بين الصادق وعمه الهادي.
رغم أن ذلك الانشقاق كانت القاعدة متماسكة لم تتأثر به كثيرا إلا في حدود ومواقيت معينة فقط.
أما القادم هو أوسع نطاقا، لآن القاعدة سوف تكون جزءا من الصراع، وسوف يكون لها أثرا في عملية حسمه.
إلا إذا استطاع الكل أن يحكم العقل ويقبل الجميع تحويل الصراع للمؤتمر العام للحزب ويقبلوا بالنتيجة داخل المؤتمر.
لكن مجموعة فضل برمة هل تستطيع أن تخرج من دائرة الجهوية والمناطقية وتحكم صوت العقل، أم أنها دخل في جحر ضب لا تستطيع أن تدير رأسها مرة أخرى للخروج.
أن العقلاء أمثال الدكتور إبراهيم الأمين وعبد الرحمن الغالي وسارة نقد الله وعبد الرحمن الصادق وإبراهيم البدوي وبشير عمر قادرين أن يجدوا منطقة أوسطى يلتقي عندها الجميع.
خاصة أن حزب الأمة يمثل أحد الاعمدة الرئيس التي يؤسس عليها البناء السياسي في البلاد.. نسأل الله حسن البصيرة.
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

Comments are closed.