كرار التهامي يكتب: عملية «مشبك الورق»

0 15

بقلم: كرار التهامي
كيف تدير الدولة الانقسامات داخل صفوف التمرد لخلخلة بنية العدو وتفكيك الحرب

كل السودانيين “مبسوطين” بانحياز بعض قادة التمرد إلى صف الجيش وعودتهم إلى الصف الوطني.

قليلون لم يرضهم ذلك، فمنهم من يوارب بحجة عدم قبول من “شارك في قتل الناس ويداه ملطختان بدماء الأبرياء”، وبعضهم يستنكف الاهتمام الزائد والاستقبال الرئاسي. والحالتان تنمّان عن رؤية قاصرة للمشهد الكلي.

فوق هذا وذاك، نجحت الدولة السودانية عبر مؤسساتها المعنية في إدارة هذا الانقسام الذي تمخض عن خروج قيادات مجتمعية وعسكرية مهمة من معسكر “الجنجويد” إلى أحضان الدولة.

ويمثل ذلك الحدث انتصاراً في ساحة لا تقل أهمية عن ساحة الحرب التقليدية، والشواهد على ذلك مبذولة في الكتب والمرويات.

فالأمر ليس بدعة. ففي تاريخ الدولة الإسلامية مثلاً، كان انضمام الناس إلى معسكر المسلمين بوابة انتصار تاريخي على حلف الممانعين. ومن الشواهد التاريخية قصة نعيم بن مسعود الأشجعي، الذي انضم إلى المسلمين أثناء معركة الخندق وأعلن إسلامه سراً.

وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، ماذا يفعل ليناصر المسلمين، فقال له النبي: «إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة». وهكذا كان التخذيل بين الأحزاب في معركة الخندق أداة لكسر التحالف المعادي، ووسيلة فاعلة لتفكيك الحرب من الداخل.

وفي التاريخ المعاصر يعتبر اختراق العدو وشق صفّه واحداً من أهم أدوات الحرب، لما يتوفر للمنشقين من معلومات قيمة ومعرفة بالداخل، بالإضافة إلى الأثر النفسي في صفوف العدو.

في التاريخ المعاصر عملت أمريكا جهدها أثناء الحرب العالمية الثانية لاستقطاب منشقين نازيين عبر برامج اختراق وديناميكيات متنوعة، وأقامت معسكرات لتشجيع الانشقاق.

وأشهرها ذلك المعسكر السري الذي أطلقوا عليه اسماً حركياً هو “صندوق البريد 1142″. عاش داخله عسكريون وعلماء ألمان في بهنسة ورعاية خاصة ورفاهية، وذلك بغرض استقطاب ولائهم بالكامل واستثمار أصولهم العلمية والاستخباراتية والعسكرية لصالح الحلفاء.

وفي عملية اختراق أخرى سميت بـ”عملية مشبك الورق” لكثرة الملفات، وهي عملية ذكية استطاعت أمريكا من خلالها جذب أكثر من ألف عسكري وعالم إلى صفوف الحلفاء.

بينهم “ورنر فون براون” الذي أصبح شخصية مهمة في صناعة الصواريخ في أمريكا، ولاحقاً في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.

لم تقف أمريكا عند حدود احتضان هؤلاء المنشقين، بل استطاعت عبرهم تحليل تركيبة وبنية الخصم، بالإضافة للخبرات والعلوم والتقنية التي يمتلكونها.

كما شارك عسكريون ألمان في إدارة المعركة بهمة. ولم تنظر أمريكا إلى بعض المنشقين من المنظومة النازية بوصفهم خصوماً سابقين وأعداء وقتلة، بل بوصفهم حملة معرفة يمكن تحويلها إلى قوة دولة.

ماذا تفعل الدولة السودانية وكيف تستغل هذه التحولات؟

الدولة، عبر نداء قيادة الجيش، تركت الباب مفتوحاً منذ بداية الحرب إلى يومنا هذا لكل من يضع السلاح ويعود إلى الصف الوطني. ويعلم العائدون إلى فسطاط الدولة أنها لم تشترِ ولاءهم بالمقايضة، وأن عليهم أن يكونوا أصحاب قضية وليس أصحاب مصلحة أو امتياز.

وعليهم المساهمة الكبيرة في الحرب النفسية والقتال، وتشجيع الانحياز لصوت الحق، والخروج من ظلمات الشيطان والعداوة إلى أنوار الحق والوفاق.

إن انشقاق قيادي كبير بحجم النور قبة يرسل إشارة مهمة داخل حركات التمرد، مفادها أن الحرب ليست قدراً، وأن الخروج ممكن، وأن الولاءات قابلة لإعادة الاصطفاف.

وأن المعركة ليست إثنية، بل هي معركة وطنية تنتصر فيها الدولة القومية. ولهذا الخروج ما بعده، حيث تنداح دوائر الانشقاق والخذلان في جسم التمرد وبنيته على طريقة مبدأ الدومينو.

وستتواتر بعدها انشقاقات أخرى لشخصيات سياسية وعسكرية ذات قيمة عالية، فإن انشقاق شخصية وازنة قد يولد سلسلة انشقاقات (Defection Cascade) حين يرى آخرون أن الخروج ممكن، فيتزعزع تماسك الحركة.

لكن النجاح الحقي ليس استقطاب قائد متمرد، بل تحويله إلى صاحب مصلحة في استقرار الدولة وصاحب قناعة. ذلك المثال الحي الذي ضربه أبو عاقلة كيكل بتفانيه وأدائه العسكري وإخلاصه للجيش. والأمل كبير في أن يكون النور قبة من نقاط التحول في مسار الحرب.

ولأن التمرد يقوم على المصلحة المادية ويفتقر إلى المشروع الفكري والوطني والقاعدة الأخلاقية، فمع نقص الأموال وانتهاء استباحة البلاد والتكسب من السرقات، تقل حوافزه ويدب الوهن في عظمه، ويتآكل الولاء، وتنعدم الثقة، وتختفي السردية المشتركة التي كانوا يطنطنون بها عن الديمقراطية والهامش.

إن ضرورات المعركة تبيح هذا القبول والاستيعاب للمحاربين العائدين، بكل ما تستطيع الدولة من حسن استقبال، لأن نتائج هذا التحول المادية تساوي أضعاف الثمن المعنوي في الترحيب بهم والعفو عنهم.

لكن الأهم هو الاستثمار المنهجي لهذا الانشقاق ليستمر التداعي والهروب من صفوف المتمردين، وأن تكون قواعد اللعبة واضحة من البداية حتى لا تتعرض الدولة لابتزاز من الآبقين أو العائدين.
كرار التهامي 30/4/2026

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق