لو عايز تظهر.. ألبس أصفر

0 16

بقلم: عبدالمحسن إدريس
لا أعني هنا المريخاب بأي حال من الأحوال، ولكن يقول المثل الشعبي الدارج: “لو عايز تظهر، ألبس أصفر”.
بارتداء الاصفر سيظهر الإنسان من بين جموع الناس، ولكنه أيضا قد يكون قاتلا لمرتديه.

في الإعلام، لا توجد قاعدة تقول إن زيادة الظهور تعني زيادة المحبة. أحيانًا يحدث العكس تمامًا: كلما ارتفع منسوب حضور الشخصية في الأخبار والمنصات، بدأ الجمهور يشعر بأنه رأى منها أكثر مما يريد، فيتحول الإعجاب إلى ملل، والاهتمام إلى ضيق، ثم قد ينتهي الأمر إلى نفور صامت أو علني.

هذه الظاهرة لها جذور واضحة في دراسات الاتصال والإعلان، وأقرب المفاهيم إليها «إرهاق التعرض» أو Wearout Effect، حيث تؤدي المبالغة في تكرار الرسالة أو الصورة إلى التعود عليها وفقدان تأثيرها، وقد تولد الضجر والانزعاج والمقاومة.

وتشير دراسات تجريبية إلى أن التكرار المرتفع جدًا يمكن أن يثير ما يعرف بـ «التفاعل النفسي العكسي» Psychological Reactance، أي شعور الجمهور بأن الرسالة تفرض نفسها عليه، فيدفعه ذلك إلى مقاومتها.
وهنا تكمن المفارقة: يمكن للإعلام أن يصنع شهرة الشخصية، ويمكنه أيضًا أن يصنع ملل الجمهور منها.

المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما تتحول الشخصية إلى حضور يومي: تصريح، صورة، مقابلة، خبر، تكريم، ظهور، تعليق، ثم إعادة تدوير كل ذلك عبر المنصات. ومع الوقت، لا يعود السؤال: «من هذه الشخصية؟»، بل يصبح: «لماذا تظهر أمامي في كل مكان؟».

وتشير دراسات العلاقات شبه الاجتماعية، وهي العلاقة النفسية التي يشعر فيها الجمهور بالقرب من شخصية إعلامية رغم عدم وجود علاقة متبادلة حقيقية، إلى أن هذه العلاقة يمكن أن تتحول من الإعجاب إلى موقف سلبي عندما يشعر المتابع بأن العلاقة أصبحت مستغلة أو مبالغًا فيها.

العلاج ليس الاختفاء، وإنما إدارة الظهور.
على الشخصية أو فريقها الإعلامي ترك مسافة بين ظهور وآخر، وأن يجعل كل ظهور ذا قيمة حقيقية، لا مجرد تذكير بالوجود.

التنويع مطلوب، وكذلك منح الجمهور فرصة للاشتياق. والأهم أن تتقدم الإنجازات على الدعاية، وأن يتحدث الآخرون عن الشخصية أكثر مما تتحدث هي عن نفسها.

فالشهرة مثل الضوء، قليلها يكشف الطريق، وكثيرها قد يعمي العيون.
في الإعلام، ليست المشكلة أن يراك الناس، بل أن يروك أكثر مما يحتملون.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق