الجيش وتغيير الإستراتيجية لبناء الدولة

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
احتفظ الجيش منذ اندلاع الحرب في البلاد يوم 15 أبريل 2023م بذات المسميات الوظيفية: القائد العام، ونائب القائد، ومساعد القائد، إلى جانب هيئة الأركان. بعد مرور ثلاث سنوات من الحرب والتقدم الذي أحرزه الجيش في ميدان المعارك.

بدأ التعديل في الوظائف التي كانت مخصصة لمتابعة وإسناد العمليات العسكرية، إلى جانب التعبئة الشعبية بهدف الاستنفار وفتح باب المقاومة الشعبية.

في هذه الفترة؛ كانت القيادة العسكرية تقوم بالمهام العسكرية والسياسية. بعد انتهاء المعارك في عدد من الولايات، وخاصة الخرطوم، وانتقال الحرب إلى ولايات كردفان ودارفور.

أحدثت هذه النقلة تغييراً طفيفاً في سلم الأولويات، بأن تسير مسألة البناء والسياسة في خط متوازي مع العمليات العسكرية.

التعديلات في قيادة الجيش

إن التعديل الذي جرى في قيادة الجيش ربما تكون قد فرضته دواعي المرحلة التي تمر بها البلاد، وأيضاً هي ضرورة أحدثتها التغييرات التي حدثت في ميدان القتال، وانحسار لدور الميليشيا السياسي كما كان من قبل.

فكان لا بد أن تشمل المرحلة الجديدة مهام البناء والتخطيط الإستراتيجي، والصناعات العسكرية لتعزيز القدرات التصنيعية للجيش، وشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري، بهدف إدارة الملفات الخارجية والتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية بما يتوافق مع التحولات داخل البلاد والتحولات التي تحدث في الخارج.

إن الهدف أن تكون الأجندة العسكرية والأجندة المرتبطة بعمليات البناء والتنمية والعلاقات الإقليمية والدولية، إلى جانب عملية بناء الصناعات الدفاعية،

تسير في خط متوازي، وهي عملية تمزج بين العمل العسكري والسياسي في وقت واحد من حيث الأداء والتغييرات في الأجندة.

إن إحداث تغيير في الإستراتيجية، بالضرورة، سوف يحدث تغييراً في جدول ترتيب الأولويات من جهة، ومن جهة أخرى لا بد من فحص الأدوات التي كانت تستخدم سابقاً.

ومعرفة مدى صلاحيتها، وما إذا كانت ستؤدي دورها المطلوب بفاعلية أم أنها تحتاج إلى تغيير. لكن كل ذلك يعتمد على المشروع السياسي المطروح للتنفيذ، ومدى قدرته على إقناع قطاع عريض من المجتمع.

فالمرحلة محتاجة إلى تفكير عقلاني يتجاوز الأجندة التي قادت البلاد للحرب. فالعقليات القادرة على إنتاج الأفكار هي وحدها التي تستطيع أن تقود عملية التغيير في البلاد، وتفرض واقعاً جديداً ينال رضا الأغلبية في الشعب.

إن التغيير المطلوب يجب أن يطال حتى المؤسسات السياسية التي عجزت أن تتغير، وتحدث تطويراً في أفكارها وأدواتها بما يتوافق مع الشعارات التي ترفعها.

إن الحرب قد أثبتت أن النخب السياسية ليست وحدها التي تصنع التغيير؛ ربما يكون ذلك في مجتمعات أخرى لعبت فيها النخب دوراً مهماً من خلال إنتاجها المعرفي والفكري.

واختيار الأدوات الصحيحة والفاعلة التي أحدثت وعياً في مجتمعاتها، وليس نخباً اختصر دورها على اللهث وراء مصالحها الخاصة.

حتى إذا كان ذلك يتطلب إذعاناً للنفوذ الخارجي. إن الأجيال الجديدة محتاجة أن تأخذ فرصاً واسعة لكي تشارك بفاعلية في كل خطوات بناء السودان.

وإنتاج ثقافة جديدة ترتكز على ثقافة السلام، وكيفية رتق النسيج الاجتماعي، وأن تكون هناك ممارسة حقيقية للديمقراطية في اختيار العناصر المؤهلة لأداء هذا الدور.

أما العناصر القديمة التي تسببت في هذا المأزق التاريخي والوصول إلى الحرب، فليست مفيدة أن تكون جزءاً من مستقبل العملية السياسية في البلاد.

إن فتح الحوار، الذي يجب أن يتناول قضية السودان ما بعد الحرب، مسألة ضرورية، ومن الأفضل أن تتهيأ الأجواء لها من الآن.

وما دام الجيش يمثل السلطة الآن، عليه أن يضع هذه المسألة في أولويات أجندته، وفتح الباب للشباب للمشاركة في الشأن الوطني.

والمشاركة هنا لا تعني المحاصصة. لأن الشباب الذين يتربون على الوطنية التي تجعلهم يقدمون أرواحهم فداءً للوطن ولمجتمعهم، هم العناصر الأفضل لبناء الدولة الحديثة الناهضة.

المحاصصات هي ثقافة سياسية جاءت بها الإنقاذ، لأن الصراع الذي حدث داخل الحركة الإسلامية عام 1999م وأدى للمفاصلة.

سعت الكتلة التي قبضت على السلطة إلى البحث عن قوى سياسية تدعم موقفها وتقف معها ضد التيار الآخر.

فجاءت بعناصر قبلت أن تنشق من أحزابها وتشارك في السلطة لدعمها، ثم بعدها جاءت بسياسة المحاصصات مع الحركات المسلحة، التي جعلت سياسة الانشقاق داخل الحركات هدفها الحصول على محاصصات.

ومن لم يجد وظيفة يعود لحمل السلاح لكي تتم معه مفاوضات من أجل محاصصات جديدة.

هذه السياسة خلقت واقعاً مريضاً في العملية السياسية، لا يفرخ إلا عناصر باحثة عن مصالحها الخاصة دون أية معايير للوظيفة، وهذه الثقافة لا بد أن يتجاوزها المجتمع.

تعديلات عسكرية وسياسية لقائد الجيش

إذا كان البرهان قد أصدر قرارات التعديلات العسكرية بصفته القائد العام للجيش، كان عليه أيضاً أن يصدر قراراً سياسياً بصفته رئيس مجلس السيادة، بتكوين “لجنة وطنية عليا للتنسيق من أجل الحوار الوطني”،

تتكون من حقوقيين وأكاديميين ومراكز للدراسات والبحوث وإدارات أهلية، على أن يكون نصف اللجنة من الشباب، وأن تُراعى مشاركة ممثلين لكل ولايات السودان.

والهدف من تكوين هذه اللجنة تقديم “مشروع سياسي متكامل للحوار الوطني” والأجندة التي يجب أن تُناقش فيه.

والشرط المهم أن تقدم الأحزاب للحوار الوطني قيادات جديدة غير متأثرة بالإرث السياسي القديم، الذي كان جزءاً من حالات الفشل السياسي التي أقعدت البلاد ومنعتها من النهضة.

إن العقليات التي مرت على حكم البلاد في تاريخ النظم السياسية المختلفة غير مفيدة في صناعة مستقبل السودان، ولا بد من البحث عن رؤى جديدة تتجاوز تاريخ الفشل السياسي والفساد الذي انتشر في مؤسسات الدولة.
نواصل..
نسأل الله حسن البصيرة.

البرهانالحركة الاسلاميةالسودانتعديلات هيئة القيادةقائد الجيش