الحوار السياسي بين الشعار وغياب الرؤية

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
مضى أكثر من شهر منذ أن أعلن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في 14 أغسطس 2026م، قبوله لمبادرة للحوار السياسي، ووجوب الترتيب له في عدة محطات.

وكان البرهان قد أكد التزامهم بتنفيذ مخرجات الحوار السوداني – السوداني، ثم قدم ضمانات قانونية وأمنية، وحتى شطب بلاغات المقيمين في الخارج، بهدف إتاحة الحوار الوطني داخل السودان.. وبعض أعضاء اللجنة يتواجدون في الخرطوم، بينما ظلت البقية الأخرى في القاهرة.

أعلنت لجنة الحوار، في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته بالخرطوم في 31 أغسطس 2026م، بدء أعمالها بهدف توحيد الصف السوداني، وتهيئة مناخ الحوار والتشاور وبناء الثقة. لكن اتضح أن اللجنة لا تملك رؤية للحوار.

وكانت السلطة قد قدمت للجنة مبنى تدير من خلاله عملها، وقسمت نفسها إلى مجموعتين: الأولى، المجموعة السياسية التي تلتقي بالأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية وغيرها.

والثانية، اللجنة الاجتماعية، وتختص باللقاء مع زعماء القبائل والطرق الصوفية، إلى جانب رجالات الإدارة الأهلية.

لكن الغائب هو فئة الشباب من الجنسين، ودورهم الذي يجب أن يكون حجر الزاوية في الحوار، خاصة أن الشباب هم الأقدر على الفاعلية في أي عمل سياسي أو اجتماعي.

عقدت مكاتب اللجنة حوارات مع عدد من القوى السياسية والتكوينات الاجتماعية، وقامت بزيارة عدد من زعماء القبائل والطرق الصوفية، لكن العديد ممن تم الاجتماع معهم لم يستوعبوا ما هو دورهم المطلوب، وما هو دور اللجنة في تهيئة مناخ الحوار.

فالفكرة غير واضحة، وكان المتوقع من عضوية اللجنة أن يكون لها تصور عام للمهمة التي تريد تنفيذها، وهي تحتاج إلى تصورات عامة.

وهناك العديد من المؤسسات ذات الصلة بالعمل الجماهيري، سواء كانت مراكز للدراسات والبحوث في القطاع الخاص، أو مراكز دراسات في الجامعات.

كان من المفترض أن يُجرى معهم الاجتماع الأول بهدف وضع “خارطة للطريق” التي تسهّل عملية الاتصال والحوار، ومعرفة المطلوبات للنجاح.

كان المتوقع أن تجري اللجنة لقاءات مع الأحزاب، وتطلب من كل حزب أن يبعث أحد أعضائه من الشباب، والذين لهم خبرة ودراية ومعرفة بالعمل الجماهيري في التعبئة والحشد.

إن مشاركة الأحزاب بممثلين في العمل التحضيري سوف تقوي العلاقة بين الحزب ولجنة الحوار، ولا تتردد في تقديم التصورات التي تفيد نجاح عمل اللجنة.

القضية الأخرى أن وجود الشباب يساهم في عملية التعبئة والحشد الجماهيري المطلوب للعملية السياسية، فالعمل نفسه يمثل مدخلاً للحوار المتواصل بين المكونات المختلفة.

لكن إذا اعتقدت عضوية اللجنة أن العبء يجب أن يقع عليها وحدها، وتصبح المسألة كلها القيام بزيارات اجتماعية لعدد من الولايات، دون أن تكون على دراية بالمطلوبات المراد الوصول إليها، تصبح المسألة مضيعة للوقت وتكلفة للدولة غير مرغوب فيها.

من خلال المسارات التاريخية للعمل السياسي والوطني، تجد أن التعامل مع قيادات القبائل والطرق الصوفية وقيادات الإدارة الأهلية لا يحتاج إلى تعبئة واتصالات متواصلة.

لأنهم أكثر حرصاً على المشاركة في القضايا التي تتعلق بالقضية الوطنية، وخاصة المرتبطة بمؤسسات الدولة.

ويعتبر هؤلاء أصلاً أدوات للتعبئة والحشد الجماهيري، وفي نفس الوقت هم يعرفون كيف يملأون مساحات مشاركتهم ونجاح العمل الذي يدعون إليه.
كان على اللجنة أن تستفيد من الرصيد المالي الذي تم تخصيصه للمواصلات بهدف زيارة الإدارات الأهلية وقيادات الصوفية والمجتمع، في عمل ندوات تنويرية للشباب في نوادي الأحياء، تهدف إلى المفاكرة وتبادل الآراء.

والشباب يمتلكون أفكاراً جيدة، وعندهم إرادة قوية للحوار، وتقديم مقترحات تساعد على نجاح الحوار السياسي القومي، ويعتبر الشباب عماد مستقبل البلاد، وقد قدموا تضحيات كبيرة في الحرب الدائرة، وخدمات في التكايا في الأحياء.

إن الالتقاء مع الشباب في الخرطوم وضواحيها، وفي الأقاليم، هو الفكرة التي تنقل الحوار للبناء واستقرار البلاد والمحافظة على أمنها. فبداية الحوار التحضيري مع الشباب تصبح محفزاً لمشاركة القوى السياسية، وخروجها من أجندة المصالح الذاتية والمحاصصات إلى قضايا وطنية.

كما أن الشباب في حاجة للخروج من إرث الفشل السياسي في البلاد.
إن اللجنة، إذا نظرت إلى مستقبل السياسة في السودان، يجب أن تكون وجهتها هم شباب البلاد، وتبدأ زيارتهم في الأحياء وضواحي العاصمة في كل الاتجاهات الأربعة.

إن القيادات السياسية التي أدمنت الفشل، وتملك حساسيات عالية ضد بعضها البعض، لا تستطيع أن تخرج من شرنقة إرث الماضي. فالشباب وحدهم القادرون على تغيير المسار السياسي لمصلحة الوطن.
نسأل الله حسن البصيرة.

البرهانالحوار السودانيالحوار السياسيالخرطومزين العابدين صالحلجنة تهياة الحوار
Comments (0)
Add Comment