تراجع الأحزاب لغياب الكارزما أم المؤسسية؟.. الحزب الاتحادي نموذجًا (2 – 4)

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
بعد المقدمة التي نُشرت سابقًا، يتناول هذا المبحث كل حزب على حدة في مسألة صعود الكارزما وغيابها، ومحاولة فهم أسباب عدم بروز كارزما جديدة.

ويركز المبحث على الأحزاب التقليدية الأربعة التي تأسست قبل الاستقلال ومرت بمراحل تاريخية مختلفة، وهي: الحركة الاتحادية، حزب الأمة، الحركة الإسلامية، والحزب الشيوعي.

وقد تعرض كل حزب من هذه الأحزاب إلى صراعات سياسية أثرت في مساره، كما كشفت في الوقت نفسه عن قوة الكارزما السياسية والفكرية داخل الحزب، ومدى قدرتها على استثمار الفرص المتاحة. كما برزت مسألة اهتمام القيادات الكارزمية بالمؤسسية أو تجاهلها، وهي من الأسباب الرئيسة التي أثرت في تطور الأحزاب أو تراجعها أمام التحديات.

الأزهري وصعود الكارزما الاتحادية

برز إسماعيل الأزهري كقائد كارزمي في مراحل مبكرة من تاريخ الحركة السياسية السودانية، منذ عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. وكان ظهوره الأبرز مع تكوين مؤتمر الخريجين عام 1938م، حيث استطاع أن يشارك في انتخابات المؤتمر ويفوز بمنصب الأمين العام، ليصبح أحد أبرز قياداته.

ورغم الصراعات التي كانت تدور داخل المؤتمر بسبب تدخل القيادات الطائفية في الانتخابات، في إطار التنافس بين الزعيمين السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي، تمكن الأزهري من تثبيت حضوره القيادي، في وقت كانت فيه القوى المتنافسة تحاول استمالة جماهير الطائفتين.

وعندما بدأ الصدام بين مؤتمر الخريجين والإدارة الاستعمارية، أدرك الأزهري أن المؤتمر ليس المؤسسة القادرة على مواصلة المواجهة مع المستعمر، لأنه يضم تيارات وانتماءات ومصالح متعددة. وكان يرى أن الصراع مع الاستعمار يحتاج إلى تنظيم سياسي أكثر تجانسًا فكريًا، وقادرًا على الصمود دون قيود اللوائح التي تحكم عمل المؤتمر.

وفي عام 1943م أسس الأزهري حزب الأشقاء، الذي كان يدعو إلى وحدة وادي النيل. وكان الحزب من أكثر القوى السياسية نشاطًا في تلك الفترة. وظل الأزهري يخوض الصراع مع المستعمر من خلال مؤتمر الخريجين وحزب الأشقاء معًا.
وعندما طُرحت فكرة الحكم الذاتي كمرحلة نحو الاستقلال، وافق الأزهري عليها.

وفي عام 1952م تم دمج الأحزاب الاتحادية مع حزب الأشقاء في مصر، لينتخب الأزهري رئيسًا للحزب الجديد الذي حمل اسم الحزب الوطني الاتحادي.

وكان الحزب الوطني الاتحادي يرفع شعار وحدة وادي النيل. وعندما جرت الانتخابات استطاع الأزهري قيادة حزبه للفوز بالأغلبية، وتشكيل أول حكومة وطنية في البلاد.

وخلال جولاته في أقاليم السودان المختلفة، واستماعه لآراء الجماهير، تأكد للأزهري أن الأغلبية تميل إلى خيار الاستقلال. لذلك لم يتردد في التحول من شعار وحدة وادي النيل إلى الدعوة للاستقلال من داخل البرلمان، التزامًا برغبة الجماهير.

وفي تلك المرحلة ظل دور الأزهري في تصاعد مستمر، لكن الحزب واجه أول تمرد داخلي من مجموعة ضمت ميرغني حمزة وخلف الله حاج خالد وأحمد جلي، الذين اعتبروا أن الأزهري تراجع عن شعار وحدة وادي النيل. بينما يرى بعض المراقبين أن خروج هذه المجموعة كان مدبرًا من خارج الحزب.

قاد الأزهري البلاد إلى الاستقلال، وأصبح بعده رئيسًا لمجلس السيادة. غير أن الخلافات عادت إلى الحزب في عام 1957م، بين الأزهري ومجموعة كانت لا تزال متمسكة بشعار وحدة وادي النيل، من بينهم الشيخ علي عبد الرحمن وأحمد السيد حمد ومحمد نور الدين.

ولعب الحزب الشيوعي دورًا في تعميق الانقسام داخل الحركة الاتحادية، كما تناول ذلك الكاتب في كتابه: دور الحزب الشيوعي في تفكيك الحركة الاتحادية.

وعندما بدأت محاولات جديدة لتوحيد الاتحاديين، قام حزب الأمة بقيادة عبد الله خليل بتسليم السلطة للجيش في 17 نوفمبر 1958م. وكان عبد الله خليل يخشى أن تؤدي وحدة الاتحاديين، التي كانت تُبحث في مصر، إلى تعزيز قوتهم السياسية.

بعد ثورة أكتوبر 1964م خاض الحزب الوطني الاتحادي الانتخابات دون دعم طائفة الختمية، ومع ذلك حصل على 73 مقعدًا، بينما حصل حزب الأمة على 92 مقعدًا.

وفي عام 1967م ظهرت فكرة النظام الرئاسي، ما دفع الأزهري للتفكير في توحيد الحزب الوطني الاتحادي مع حزب الشعب الديمقراطي. وتم تشكيل لجنة مشتركة من 14 عضوًا، بواقع سبعة من كل حزب، انتهت إلى إعلان الوحدة تحت اسم الحزب الاتحادي الديمقراطي، بقيادة إسماعيل الأزهري.

وفي انتخابات عام 1968م خاض الحزب الانتخابات باسمه الجديد، وحقق فوزًا كبيرًا بحصوله على 101 مقعد، بينما حصل جناحا حزب الأمة على 72 مقعدًا.
غير أن انقلاب مايو 1969م أنهى تلك المرحلة، حيث تم اعتقال إسماعيل الأزهري وتوفي لاحقًا في السجن.

من الكارزما إلى أزمة القيادة

 

الملاحظة الأساسية في هذه التجربة أن كارزما إسماعيل الأزهري ظلت طاغية على المؤسسية داخل الحزب منذ بروزها في أربعينيات القرن العشرين. فقد كانت المؤسسة الحزبية تعمل في ظل حضور الزعيم، ولم تستطع القيادات الأخرى التي برزت في مراحل مختلفة أن تتجاوز تأثيره الكارزمي.

بعد رحيل الأزهري برز الشريف حسين الهندي في قيادة الحزب، خاصة خلال فترة الجبهة الوطنية، حيث لعب دورًا مهمًا في الحفاظ على تماسك الحزب. كما عمل على تطوير أدوات جديدة للنضال السياسي، عبر تنشيط دور الطلاب والعمال.

لكن وجوده خارج البلاد جعل القيادة منقسمة بين العمل في الداخل والخارج. وبعد رحيله عام 1982م ضعف دور الحزب، خاصة أن أبناء السيد علي الميرغني كانوا يدعمون نظام مايو من داخل الاتحاد الاشتراكي.

وبعد انتفاضة أبريل 1985م تفجرت الصراعات داخل القيادات الاتحادية. وقد برز الخلاف بوضوح عندما تحدث علي محمود حسنين في ندوة بجامعة الخرطوم بعد يومين من الانتفاضة، بوصفه الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي، الأمر الذي أدى إلى بروز قيادات متعددة داخل الحزب.

غير أن أياً من هذه القيادات لم يتمكن من تشكيل كارزما قادرة على توحيد الحزب وقيادته.

لذلك اتجه عدد من القيادات، منهم الشريف زين العابدين الهندي ومحمد الحسن عبد الله يس، إلى مطالبة السيد محمد عثمان الميرغني بالعودة من سنكات لقيادة الحزب خلال مرحلة الانتخابات.

لكن بعد الانتخابات عاد الخلاف من جديد، وسيطرت الطائفية على الحزب، وأُغلقت المنافذ أمام أي دعوات جادة للمؤسسية.

وبمرور الوقت فقد الحزب الكارزما السياسية التي كانت توحد قواعده، كما فقد المؤسسية التنظيمية التي يمكن أن تحافظ على وحدته. وبدأ دوره الريادي في المجتمع يتراجع، بينما انشغلت قياداته بصراعات ومصالح خاصة.

وهكذا خرج الحزب الاتحادي تدريجيًا من دائرة صناعة الحدث السياسي، بعد أن فقد الكارزما القادرة على الإقناع، والمؤسسة القادرة على التنظيم والاستمرار.

ومع تقدم السن بالسيد محمد عثمان الميرغني، تفجرت الخلافات بين أبنائه، واتجه كل طرف إلى المسار الذي يحقق مصالحه الخاصة.
نسأل الله حسن البصيرة.

الأحزابالاتحاديالسودانالكارزما