أزمة الاتحاديون واستلاف ثقافة مغايرة

7

بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن
المراقب للساحة السياسية في السودان، يجد أن الاتحاديين يشكلون غيابا من قبل أتفاقية “نيفاشا 2005″ رغم أنهم شاركوا الإنقاذ بتيارين، إلا أنهم ظلوا خارج دائرة صناعة القرار.

وهذا الضعف الاتحادي ظهر بعد إنتفاضة إبريل 1985م، ويرجع للخلافات الكبيرة التي تعرض لها الحزب الاتحادي الديمقراطي بعد غياب الشريف حسين الهندي.

وكان الحزب الوطني الاتحادي قد تأسس عام 1953م بعد إندماج عدد من الأحزاب الاتحادية والأشقاء في القاهرة.. وكان المؤسسون ينتمون للطبقة الوسطى الناشئة حديثا في البلاد بعد تأسيس التعليم الحديث من قبل الإدارة الاستعمارية.

هذا التعليم هو الذي خلق الوعي الجديد في البلاد، وأظهر الطبقة الوسطى التي قادات النضال من أجل الاستقلال..

كانت مجموعة الأشقاء يمثلون التيار الريديكالي في الحزب الجديد، وكانوا أكثر القيادات فاعلية، وقراءة لتجارب الشعوب الأخرى.

لذلك عندما أصبح أسماعيل الأزهري رئيسا للحزب كان مدركا لدور الطبقة الوسطى في المجتمع، وهي الطبقة التي تحفظ التوازن الاجتماعي، وتعلب الدور التنويري أيضا.

رغم أن الحزب كانت فيه تيارات أخرى متأثر بثقافة القوميين العرب، وهم الذين شاركوا في انقلاب مايو 1969م مع الحزب الشيوعي.

أن وعي الزعيم الأزهري كان دائما يحاول أن يحافظ على الدور الوسطي في السياسة بعيدا عن التطرف، لذك ابتعد أن يدخل في مناكفات سياسية مع الأخرين.

وفضل أن يلعب دور الوسط، وكان يعتقد أن الدور الجماهيري مهم في حسم القضايا الخلافية.. لذلك عندما تأمر عليه السيدان واسقطوا حكومته، لجأ إلي الجماهير عندما طلب في البرلمان إجراء انتخابات المجالس المحلية كرد فعل ديمقراطي على التأمر.

وبالفعل قد فاز الحزب الوطني الاتحادي بأغلبية المجالس، مما جعله يستعد لمعركة أخرى، هي التي جعلت رئيس الوزراء عبد الله خليل يسلم الحكم إلي قيادة الجيش في 17 نوفمبر 1958م.

أن الفترة المايوية التي غاب عنها الزعيم أسماعيل الأزهري، وعدد من رفاق دربه، استطاع الشريف حسين أن يحافظ على وسطية الحزب، و دور الحزب في المعادلات السياسية.

خاصة أن الشريف حسين أهتم بفئتين الحركة العمالية التي قادت الصدام مع نظام مايو في شعبان 1973، وأيضا أهتم بالطلاب.

باعتبارهم الفئة التي سوف تحافظ مستقبلا على وسطية الحزب و دوره في المجتمع، لذلك قدم بعثات للعديد من شباب الحزب في بريطانيا و في ليبيا و العراق.

و غياب الشريف حسين أحدث فراغا كبيرا في الحزب.. لذلك نجد أن أغلبية القيادات الاتحادية الذين تأثروا بحركة القوميين العرب، وخاصة الناصرية.

كانوا الأقرب في استلاف ثقافة اليسار، و الابتعاد عن ثقافة الوسط، حتى في استخدامهم للمصطلحات اليسارية في تعاملهم السياسي اليومي.

نفترة الاتحاد الاشتراكي رغم أن أغلبية القاعدة الاتحادية كانت بعيدة منها، إلا أن أثر الإعلام و الصحافة التي كانت مملوكة للدولة.

وتحت إدارة الاتحاد الاشتراكي قد أثرت في الثقافة السياسية، خاصة بعد المصالحة في 1977م، حيث دخل الإسلاميون وحزب الأمة في تحالف مع نظام مايو.

وأصبحت قياداتهم في قمة الاتحاد الاشتراكي، وكانوا مجبرين على استلاف أفرازات اليسار الثقافية.. هذه قد أثرت بصورة مباشرة على التيارات الاتحادية الجديدة.

باعتبار أن ثقافة اليسار هي التي تعطيهم صفة ” تقدمية” و هي كلمة ذات مدلولات يسارية ليس لها علاقة بالاستنارة في جانبها السياسي الديمقراطي.

كان من المتوقع بعد الانتفاضة؛ أن تلتفت النخب الاتحادية لذلك الأثر الثقافي الذي لا يعبر عن توجهها باعتبارها قوى ديمقراطية.

وتحاول معالجته حتى ترجع الحركة الاتحادية إلي إرثها الثقافي، لكن الصراعات الاتحادية و الانقسامات التي حدثت، قد أدت إلي صعود الطائفة على قمة الحزب.

وغاب الإنتاج الفكري و الثقافي، والطائفة مهمتها الأساسية أن تحافظ على مصالحها الخاصة، و لا تلتفت إلي دور الحزب في الإنتاج الفكري و الثقافى.

باعتبار أن الطائفة لا يهما ذلك، بقدر ما يهما أن تكون قابضة على مفاصل الحزب في اعتقاد أنه الأداة التي يحفظ لها دورها السياسي و الاجتماعي، و حتى يحفظ لها تحالفاتها الخارجية.

لذلك أتت بالعناصر التي تساعدها على ذلك.. هذا الجمود قد خلق أضطرابا كبيرا في الحركة الاتحادية.. و كنت قد أشرت لذلك في كتابي “دور الحزب الشيوعي في تفكيك الحركة الاتحادية”.

حيث يشير للفترة التي ساعد فيها الحزب الشيوعي المجموعة التي كونت بعد ذلك ” حزب الشعب الديمقراطي” وهؤلاء تحالفوا مع الحزب الشيوعي.

ثم تبنوا الاشتراكية كحل لمشاكل المجتمع و السودان.. هذا الحلف هو أيضا استلف أغلبية مصطلحات الماركسية.

كما أشار الشخ على عبد الرحمن في كتابه ” الديمقراطية والاشتراكية في السودان” و هي بداية الأزمة التي استمرت حتى الآن. لآن ثقافة اليسار الماركسي وحتى القومي هي ثقافة تؤسس على مشروع شمولي و ليس ديمقراطي.

“باعتبار أن الثورة و الثورية هي مقصدها لتكوين ديكتاتورية البووليتاريا” فالثقافة الديمقراطية ليست لها هذه المرجعيات الثورية.

أن استلاف المصطلحات دون التدقيق فيها هي التي أضعفت تماما دور الحزب وجعلته يبتعد عن دوره كتيار وسطي يحل مشكل المجتمع عبر الحوارات المفتوحة لكي ينتج ثقافة ديمقراطية.

أن النقد الذي وجهه محمد أبوالقاسم حاج حمد للزعيم الأزهري في كتابه “السودان المأزق التاريخي وأفاق المستقبل ص 18”.

عندما يقول (أن الأزهري نظر إلي الصراع بين حزبه و بين الآخرين في حدود الصراع السياسي المجرد على “كراسي السلطة”) لآن الصراع مع القوى السياسية أيضا صراع ثقافي.

باعتبار أن الثقافة السياسية، و كيفية استخدام المصطلحات فيها تحدد الهوية الفكرية، والآن لا تستطيع أن تفرق بين العضو الاتحادي والعنصر اليساري في الخطاب السياسي، رغم أن كل مصطلح له مدلولاته السياسية.

أن الاتحادي الذي يجهل ثقافته السياسية لا يستطيع أن يلعب الدور الوسطى في الصراع و سيظل تابعا و ليس قياديا ذو رؤية فكرية.

أن الغياب الثقافي يعتبر سببا رئيسيا أن يصبح الاتحاديون على هامش العملية السياسية، و عجزوا أن يصنعوا الأحداث، أو يقودوا العمل السياسي وفقا لرؤيتهم الوسطية.. نعود مرة أخرى.. نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.