إشكالية الديمقراطية في السودان
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
إختلاف النظم السياسية الديمقراطية تجده من دولة إلي أخرى بسبب إشكالية أختلاف الثقافات والأعراف والتقاليد والعقائد.
وكل دولة لها تجربتها الخاصة في الديمقراطية السودانيون كانوا مركزين على ديمقراطية “ويست منيستر”.
وما زالوا على ذلك، لآن الذين وضعوا قواعدها في البلاد بريطانيين، وكان التعليم الحديث الذي أسسه المستعمر محدودا بسبب حاجة المستعمر إليه.
والنخبة التي التي تخرجت من كلية غردون كان اتجاهها واحدا بحسب اللغة الأخرى التي تعلمونها في مؤسسات التعليم الحديث “الانجليزية” والتي كانت تؤهلهم لقراءة الصحف والكتب التي تأتي من بريطانيا.
الأمر الذي جعلهم ذوي اتجاه واحد في القراءات وفي الوعي السياسي، الآن السودانيين منتشريين في عدد من دول العالم وخاصة الدول الغربية الديمقراطية.
وأكتشفوا أن الديمقراطية تعني التبادل السلمي للسلطة من خلال انتخابات في مواقيت محددة ومعلومة لا يمكن تجاوزها.
وأن الشعب هو الذي يقع عليه عبء الإختيار من المرشحين أن كانوا حزبيين أو مستقلين.. ويتيح للسودانيين قراءات مختلفة في عملية الديمقراطية وتطبيقاتها.
والنماذج متعددة في النظم السياسية.. رئاسية وبرلمانية ومختلطة… هناك قواعد في المجتمع لا يمكن تجاوزها تتعلق بالعقائد والأعرأف والتقاليد.
وهي التي تميز كل مجتمع عن الأخر، ولا يمكن أن تفرض معتقدات شعب على الآخرين حتى يصبحوا ديمقراطيين.
هذا قصور مفاهيمي تحاول مجموعات مستلبة فاقدة للآهلية أن تفرضه على الأخرين تحت دعاوي ومصطلحات كثيرة مستلفة من مجتمعات مغايرة.
هؤلاء هم يشكلون عوائق متعددة أمام عملية التحول الديمقراطي في البلاد.. نحن مجتمع فيه العديد من الإشكاليات التي تحتاج إلي معالجات منطقية وحوارية.
بعيدا عن مصطلحات تدعو للعنف مثل الثورية والإقصاء ومحاولة إثارة النعرات العنصرية والجهوية والمناطقية، كلها إشكاليات موجودة داخل المجتمع.
ويجب أن تلعب الدولة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الآخرى دورا كبيرا في معالجتها.
لكن للأسف العديد من النخب تحاول استثمار هذه الإشكليات وتوظيفها لمكاسب شخصية وشللية محدودة.
وتعمل بعض النخب على تهيجها ورفعها كشعارات ومباديء لتحقيق منها مصالح لأفراد أو مجموعات غير ديمقراطية.
الإشكالية ألأخرى الأهم: أن النخب التي تتشدق بالديمقراطية، وتعتقد إنها الأكثر وعيا من الآخرين.
وهي وحدها التي يجب أن ترسم ملامح الديمقراطية، وأنهم وحدهم دعاة المدنية.
ويحاولون أن يفرضوا شروطهم على العملية السياسية، هم يتعاملون بذات الثقافة الشمولية التي خلفتها تلك النظم.
ولا يمكن بالثقافة الشمولية الوصول للديمقراطية.. هؤلاء يبحثون عن مصالح ضيقة متعلقة بكيفية وصولهم للسلطة.
ويمثلون دورا سالبا في عملية التحول الديمقراطي، والتي تحتاج إلي وعي جديدة وقراءة جديدة للواقع الاجتماعي، وكيفية معالجة مشاكله.
أن عملية التغيير ليس قاصرة على المسميات والمصطلحات المستلفة لتزيين الخطابات السياسية.
أنما هي تحتاج إلي أفكار وممارسات تطبيقية، تعلوا من قيم الحوار السياسي وخاصة بين التيارات الفكرية المختلفة في المجتمع.
وتعلو من قيم التسامح والعمل المشترك بين المكونات، وهي الأدوات التي تنتج الثقافة الديمقراطية في المجتمع.
أن العملية الديمقراطية يجب أن تبدأ من قاع المجتمع إلي أعلاه، وتثقيف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم.
وحسهم على المشاركة الفاعلة في لجان الأحياء و في النقابات وفي الأندية الرياضية والثقافية والتبادل السلمي عبر الانتخابات في كل هذه المكونات.
ويحرصوا أن لا يتم أنتخابات اعضاء بعينهم بصورة مستمرة حتى تبدو العملية أحتكارية، لآن التغيير في القيادة هو الذي يجذب الآخرين على المشاركة ويرسي أسس النزاهة والشفافية.
وأن القيادات التي تمكث طويلا في مواقعها هي عرضة بنسبة 80% للفسادة وعدم الشفافية، أما التغيير هو يدفع بالعديد من الأشخاص الذين لهم قدرات إبداعية .
لكي يسهموا في تطوير العمل المنتج، والناهض بالمجتمع كخطوة لبناء صروح التنمية بكل أنواعها في البلاد خاصة التنمية البشرية أساس النهضة.
أن محاولة تغبيش الوعي الجماهيري بإدخال مصطلحات في غير مقاصدها تربك العملية السياسية.
أن ثورة أكتوبر وانتفاضة إبريل وثورة ديسمبر جميعها هي مسيرات جماهيرية سلمية استطاعت أن تسقط نظم شمولية للحزب الواحد.
ما عدا أكتوبر أسقطت نظاما عسكريا صرفا، وكانت سلمية؛ لأن الجماهير اعتمدت على الأضراب السياسي والمسيرات في الشوارع رافعة شعارات التغيير..
خاصة في التغيير الآخير كسب احترام العالم لسلميته.. وهو تغيير ليس له أية علاقة بمصطلح الثورة والثورية، لأنها مصطلحات داعية للعنف.
فالمهدي ثورة لأنها كانت مسلحة.. ديسمبر لم تكن مسلحة.. فالثورة أداتها العنف كما حدث في الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية، أية تغيير يصاحبه العنف هو تغيير ثوري.
أما التغييرات السلمية هي التي تؤسس لعملية الديمقراطية، والذين يحاولون أن يجعلوا خطاباتهم ثورية ليس لهم علاقة مطلقا بالديمقراطية.
هؤلاء يجب أن يقدموا لنا أطروحاتهم الفكرية أين تلتقي الثورية بالديمقراطية ويعطوننا الأمثلة من تاريخ نضالات الشعوب.
أن الديمقراطية لكي ترسي مبادئها في المجتمع تأتي عبر الحوارات المفتوحة بين التيارات الفكرية المختلفة.
وليس محاولة فرض شروط على الحوار والمشاركين فيه، لأنها تتشكل بالقناعات المشتركة التي ترسي مباديء الدستور الذي يجب أن يحترم من الجميع.
وأيضا احترام القوانين التي تتحول إلي سلوك في المجتمع.. أما محاولة الجري وراء الخارج لكي يهندس لنا العملية السياسية.
ويشكل رافعة سلطة للبعض، هذه ليس لها علاقة بالديمقراطية، لها علاقة فقط بحتكارية السلطة التي تناقض مع المباديء الديمقراطية.
أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية على الأقلية مع إعطاء الأقلية الحرية الكامل لكي تقنع الأغلبية برأيها لكي تغير المعادلة السياسية في الانتخابات المقبلة.
لكن رفع الشعارات دون سند معرفي لها ومقاصدها تعد إعاقة حقيقية لعملية التحول الديمقراطي.
والذي يملك رؤية أخرى يقولها بمنهج فكري بعيدا عن استخدام الشعارات.. نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.