الإنقسامات الحزبية والطريق للديمقراطية

32

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
السؤال الذي طرحه أحمد طه المحاور في “قناة الجزيرة مباشر” على الدكتور المحبوب عبد السلام الإسلامي المعروف.. متناولا الإنقسامات حيث أن هناك في المجتمع الخارجي من لا يريدون للحركة الإسلامية الوجود السياسي، وهي تشكل مأزقا للبرهان فكيف في وجهة نظرك يستطيع البرهان الخروج من هذا المأزق؟

أن إجابة الدكتور المحبوب على السؤال في غاية الأهمية، بدأها أن المسألة في يد الحركة الإسلامية “إذا كان بالفعل البرهان في مأزق”، ولم يتحدث المحبوب عن مأزق البرهان الذي جاء في سؤال طه، ولكنه جعل الحل في يد “الحركة الإسلامية”.

بأن تقدم انتقادات لفترة حكمها التي استمرت ثلاثة عقود متواصلة.. وحصر المحبوب حديثه في هذا الجانب لماذا؟ لآن المحبوب يعد واحدا من القيادات السياسية الإسلامية المهتمة بقضايا الفكر والتجديد.

الذين ابتعدوا عن الشغل السياسي المباشر بعد المفاصلة في 1999م، وركزوا على عملية البناء الفكري على أسس جديدة، وتنتقد التجربة وتؤسس إلي تنظيم جديد ديمقراطي.

وأفكار تتلاءم مع شعار الديمقراطية التي تؤسس لوطن مستقر، يتم فيه تبادل السلطة سلميا وفقا لفترات زمنية منصوص عليها دستوريا.. هذه الرؤية ربما تخلق حوارا داخل مواعين الحركة الإسلامية.

وكتاب المحبوب “الحركة الإسلامية السودانية دائرة الضوء وخطوط الظلام” رغم أعتماد المحبوب على السرد التاريخ للوقائع، لكن الكتاب احتوى على أفكار وأسئلة عديدة حول الواقع الجديد الذي يبحث عنه للحركة الإسلامية..

المحبوب عبد السلام لم يكن بمفرده في هذا الاتجاه، انما سبقه إليه عددا من القيادات الإسلامية، والذين نقدوا تجربة الإنقاذ قبل حدوث الإنقسامات والمفاصلة.

ومنهم الدكتور الطيب زين العابدين والدكتور حسن مكي والدكتور التجاني عبد القادر حامد والدكتور خالد التجاني والدكتور محمد المجذوب محمد صالح والدكتور محمد محجوب هارون والدكتور عبد الوهاب الأفندي هؤلاء كانوا قد نقدوا التجربة قبل سقوط نظام الإنقاذ.

ثم لحق بهم بعد ذلك الدكتور غازي صلاح الدين في عام 2013م بعد حادثة القتل في ثورة سبتمبر، و هناك كان تيار أخر مايزال داخل نظام الإنقاذ.

وكان يحاور فكريا في مسألة الإصلاحات داخل النظام وكيفية التحول لدولة ديمقراطية بديلا لدولة الحزب الواحد ومنهم الدكتور أمين حسن عمر والدكتور سيد الخطيب والدكتور حنفي.. الملاحظ أن هؤلاء جميعا لم يغادروا مرجعيتهم الإسلامية.

ولكنهم حاولوا أن يقدموا نقدا للتجربة ويتمسكوا بالديمقراطية كأسس جوهري لعملية تبادل السلمي للسلطة.. وهو الصراع المناط به أن يقدم أطروحاته النقدية، و قدمها من قبل..

أن المفهوم السائد عند كثير من القيادات السياسية الناقدة للإسلاميين، عندما يتحدثوا عن عملية تقديم نقد لتجربة الإنقاذ في مخيلتهم أن النقد يعني أن يعلن هؤلاء مغادرتهم لمرجعيتهم الفكرية.

وهذه تعد فهما خاطئا.. لآن فشل التجربة يحدث عندما تكون هناك فجوة كبيرة بين الفكر الذي تحمله والممارسة، ودائما عندما تجعل الممارسة هي الأصل والفكر تابعا، يحدث الخلل.

فالمراجعة، والنقد هو إعادة النظر في تقديم الفكر على سير الممارسة وفحص الأدوات المستخدمة في التطبيق.

وهنا تأتي إشارة المحبوب بأن القضية ليست مأزق البرهان أنما مأزق الحركة الإسلامية الرافضة لنقد التجربة حتى يحدث الإصلاح ما بين الفكر والممارسة.. يريد المحبوب أن يضع الحصان أمام العربة.. هو اجتهاد يصيب ويخطئ فيه..

أن قضية الحكم في الإسلام مسألة معقدة وليست فيها نصوص قطعية، والاجتهاد فيها يعتمد على التآويل..

والذي يقرأ مقال الدكتور التجاني عبد القادر الذي شخص حالة الصراع داخل النظام من خلال تحالف بين “رأس المال والقبيلة والأمن” هو بالفعل ينطلق من نقد حالة البعد بين الممارسة والفكرة، وهي لا تؤدي فقط إلي فشل للتجربة بل تشكك في المرجعية نفسها..

وهي المسألة التي ينطلق منها المحبوب رغم أن هناك إسلاميين يعتقدون أن المحبوب يحاول أن يتقرب إلي العلمانيين، في محاولة للضغط عليه أن يوقف رؤيته التجديدية.. وهنا يكون مأزق القوى السياسية التي تجعل أفرادها يفكرون خارج أسوارها.

لآن القوى المحافظة التي لا تستطيع أن تفرق بين الفكرة والممارسة، لا تريد أجتهادات تكلفها حالة من الانتباه المستمر، و ربما تكون قدراتها متواضعة عن فهم الحوار الفكري..

قبل شهر كنت قد أرسلت إلي الدكتور حسن مكي عددا من الأسئلة، وكانت تتمحور حول تصوره لنظام الحكم القادم الذي يضمن استمراريته.

أجاب لابد أن يكون “التمثيل النسبي” لأنه يضمن دخول أغلبية التيارات السياسية والفكرية في البرلمان الذي يعد ساحة للصراع السياسي.. وهذه خطوة متقدمة جدا في التفكير العقلاني.

دائما المفكر عكس السياسي لانه لا يشتغل بالشعارات، ولا بتاريخية الصراع، بقدر ما يحاول أن ينتج أفكارا تحدث أختراقا في الأزمة الموجودة.

هذا يذكرني: بالفكرة التي كان قد طرحها الدكتور الشفيع خضر في بداية نجاح الثورة في الندوة التي كانت قد اقيمت في جامعة الزعيم الأزهري.

حيث طرح فكرة “المساومة التاريخية بين الإسلاميين والشيوعيين من أجل نجاح أهداف الثورة” لآن الشفيع كان يعتقد أن سقوط النظام ليس نهاية للإسلاميين، وهم لديهم خبرة أكبر بحكم وجودهم في السلطة مدة طويلة.

ولكن واجهته حملة كبيرة من حملة الشعارات، والذين لا ينظرون للواقع بعقلانية.

لآن المسألة كانت كيف تنجح في عملية التحول الديمقراطية، وفي نفس الوقت تجد لها قاعدة عريضة لحمايتها.

لكن الزملاء الشيوعيين رجعوا لتاريخية الصراع دون النظر للمستقبل.. والمحافظة على سلامة طريق عملية التحول الديمقراطي..

وأن مقولة المفكر الفلسطيني أدور سعيد في كتابه “المثقف والسلطة” يقول (أن مهمة المثقف والمفكر تتطلب اليقظة والانتباه على الدوام ورفض الانسياق وراء انصاف الحقائق أو الآفكار الشائعة باستمرار).

الأفكار ليست فيها مساومة والمساومة تحدث في الممارسة، والممارسة الغير محكومة بعدد من مؤسسات الرقابة، تذهب مباشرة في طريق الانحراف.

والمحبوب رجل صديق، لا اعتقد أنه يريد أن يفارق مرجعيته الفكرية، ولكن يحاول أن يفكر في قضايا الحكم من خلال رؤية خلافا لشيخه.

والذي كان يعتمد على مقولة عمر بن الخطاب “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرأن” والمقولة تبنى على حكم الفرد، وهي فرض الرأي.

ويبحث المحبوب عن طريق الديمقراطية الذي يعزز حكم الوعي الذي يؤدي إلي الرأي.. وكلها تفتح منافذ عديدة للحوار.. ونسأل الله حسن البصيرة..

Comments are closed.