لماذا كل هذا التنمر على سوار الدهب؟!
بقلم: د. وليد الجاك
من المشكلات التي تتكرر في خطابنا العام ميلنا إلى الإفتاء والتصدر في مجالات لا نملك أدواتها المعرفية أو العلمية. فلا نكتفي أحياناً بمتابعة ما يقدمه أصحاب الاختصاص، بل نسارع إلى إصدار الأحكام، ثم تتحول الملاحظات والاختلافات الفنية إلى حملات من السخرية والتنمر.
وما حدث مع الشاب مأمون سوار الدهب يمكن أن يكون نموذجاً واضحا لهذه الظاهرة. فبدل أن نتعامل مع تجربته من زاوية موسيقية وفنية، انساق كثيرون خلف أحكام لم تبن بالضرورة على معرفة كافية بطبيعة الصوت أو النص أو البناء اللحني أو المعالجة الموسيقية.
دعونا نتناول التجربة بشيء من التفصيل.
أولًاً: طبيعة الصوت
مأمون سوار الدهب يمتلك صوتاً ذا طابع شعبي واضح، وهذا النوع من الأصوات له خصائصه الجمالية والتعبيرية الخاصة. وهو يقترب في طبيعته من تقاليد الغناء السوداني الشعبي، ويمكن وضعه ضمن سلسلة طويلة من الأصوات التي تعاملت مع هذا اللون وصولاً إلى نماذج معروفة مثل بادي محمد الطيب ومبارك حسن بركات وغيرهما.
ولذلك فإن تقييم صوته ينبغي أن يتم في إطار المدرسة الغنائية التي ينتمي إليها، لا وفق معايير صوتية منفصلة عن السياق السوداني الذي تشكل فيه هذا النوع من الأداء.
ثانياً: طبيعة الأغنية
الأغنية التي قدمها ليست غريبة عن تقاليد الأغنية السودانية من حيث النص. فهي تنتمي إلى نمط من النصوص ذات الطابع الوصفي، وهو نمط عرفته الأغنية السودانية في نماذج عديدة، حيث يقوم النص على وصف شخص أو حالة أو مشهد، ويستمد جماله من الصورة الشعرية وطريقة الأداء.
أما من الناحية اللحنية، فهي تقوم على نمط شائع في الغناء السوداني يمكن وصفه بـ اللحن الدائري البسيط، أي البناء الذي تتحرك فيه الجملة اللحنية ضمن مساحة محددة، ثم تعود بصورة متكررة إلى نقطة ارتكاز أو جملة أساسية، بما يمنح المستمع إحساساً بالدوران والاستمرار.
وهذا النوع من البناء ليس بالضرورة علامة على ضعف التأليف اللحني، وإنما هو جزء من طبيعة بعض أنماط الغناء الشعبي التي تعتمد على التكرار واللازمة والاستقرار اللحني، بما يجعلها سهلة التلقي والحفظ والمشاركة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الأغنية تقترب وظيفياً وبنائيا من نموذج الطقطوقة المعروف في الموسيقى العربية من حيث اعتمادها على فكرة لحنية أساسية تتكرر وتعود إليها المقاطع “وهذا ما سهل على قائد الأوركسترا التعامل معها”، وإن كان ذلك لا يعني أنها طقطوقة بالمعنى الاصطلاحي للقالب العربي.
ثالثاً: ماذا حدث في المعالجة الموسيقية؟
هنا تحديداً أعتقد أن جزءاً كبيراً من الجدل كان يحتاج إلى قدر أكبر من المعرفة الموسيقية.
المعالجة التي ظهرت في الأداء اعتمدت على تنويعات موسيقية قائمة على الارتجال، مستمدة من الجملة الأساسية للحن.
وظهرت هذه التنويعات في بعض المواضع من خلال الكمان والمصاحبة الموسيقية أثناء أداء المغني والكورس. بمعنى آخر، لم يكن الهدف بالضرورة تغيير هوية الأغنية، وإنما محاولة تقديم المادة اللحنية نفسها بصورة أكثر تنوعاً، وكسر شيء من الرتابة التي يمكن أن تنتج عن تكرار البناء الدائري البسيط. وهذه ممارسة معروفة في الموسيقى.
فالموسيقي لا يتعامل دائماً مع اللحن بوصفه مادة مغلقة، وإنما يمكنه أن يعيد تشكيل بعض أجزائه من خلال الارتجال والتنويع والحوار بين الآلات والصوت.
رابعاً: تجربة قائد الأوركسترا
من اللافت أيضاً أن المعالجة الموسيقية قادها موسيقي تونسي شاب يتمتع بخبرة وتميز واضحين، وتمكن من التعامل مع مادة موسيقية تنتمي إلى بيئة موسيقية مختلفة عن بيئته الأصلية. وهنا تظهر إحدى أجمل خصائص الموسيقى وهي قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية والجغرافيا.
فالمادة اللحنية السودانية ذات الطابع الخماسي ليست بالضرورة جزءاً أصيلاً من البيئة السمعية التي نشأ فيها هذا الموسيقي، ومع ذلك استطاع أن يتعامل معها ويقدم لها معالجة تستند إلى خبرته الموسيقية، محاولاً خلق مساحة من التنوع والحركة داخل البناء اللحني.
وهذا في حد ذاته يفتح سؤالاً مهماً حول عالمية الموسيقى وقدرتها على الحوار بين الثقافات، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل معالجة خارجية ستكون صحيحة أو مناسبة وإنما يعني أن الاختلاف في البيئة الموسيقية يمكن أن ينتج أحياناً رؤى جديدة تستحق الاستماع والتحليل.
هل يعني ذلك أن الأداء كان بلا ملاحظات؟
بالتأكيد لا.
النقد الموسيقي الحقيقي لا يعني الدفاع عن الفنان دفاعا مطلقاً، كما لا يعني تحويل أي ملاحظة إلى إدانة.
وإذا أردنا تسجيل ملاحظة فنية دقيقة على الأداء، فإن بعض المواضع أظهرت عدم إحكام كامل في الضبط النغمي والأداء.
وهذه ملاحظة يمكن التعامل معها باعتبارها جانباً قابلًا للتطوير والتحسين، لا سبباً لتحويل التجربة كلها إلى مادة للسخرية والتنمر.
الفنان في بداياته يحتاج إلى النقد الذي يكشف له مواطن القوة والضعف، ويضع أمامه طريقاً واضحاً للتطور. وهنا تحديداً تكمن المشكلة الأكبر.
أين المؤسسة الفنية؟
في السابق كانت هناك بدرجات مختلفة لجان ومؤسسات تضطلع بمهمة إجازة الأصوات ومتابعة التجارب الفنية. ولم يكن دور هذه اللجان يقتصر على تحديد أهلية الشخص للغناء أو عدمها، وإنما كان يمتد إلى التوجيه والتقويم وتقديم الملاحظات الفنية التي تساعد الفنان على تطوير أدواته.
أما اليوم، فإن جزءا كبيرامن النشاط الغنائي يجري بعيداً عن مثل هذه الأطر المؤسسية، وهو ما يترك الفنان الشاب أمام الجمهور مباشرة، يتلقى أحكاماً متناقضة بعضها صادر عن متخصصين، وبعضها عن مستمعين، وبعضها الآخر يتحول إلى سخرية وتنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا ينبغي أن نسأل: هل المشكلة في الشاب وحده، أم في البيئة الفنية التي جعلته يدخل المجال دون منظومة واضحة للتدريب والتوجيه والتقويم؟.
مسؤولية الجيل الجديد
هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله، وهو مسؤولية الفنانين الشباب أنفسهم. فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة تجربة فنية ناضجة. المغني يحتاج إلى تطوير صوته، ومعرفته الموسيقية، وإدراكه لتاريخ الأغنية التي يؤديها، والاستماع إلى الأجيال السابقة والتعلم منها.
والارتباط بالأجيال السابقة لا يعني تقليدها، وإنما يعني معرفة الطريق الذي قطعه الفن السوداني، وفهم ما خلفته التجارب السابقة من خبرات وأساليب وملاحظات.
فالتطور الحقيقي لا يحدث بقطع الصلة مع الماضي، كما لا يحدث بتكرار الماضي، وإنما يحدث من خلال معرفته واستيعابه ثم البناء عليه.
النقد أم التنمر؟
المشكلة إذن ليست في أن ننتقد مأمون سوار الدهب أو أي فنان آخر. النقد حق طبيعي وضروري، بل إن الفن من دون نقد جاد يفقد إحدى أهم وسائل تطوره.
لكن هناك فرق كبير بين أن نقول: «في هذا الأداء خلل نغمي يحتاج إلى معالجة» وبين أن نقول: «هذا الفنان لا يصلح للغناء» وبين النقد والتنمر مسافة كبيرة.
فالنقد يبحث عن العمل ويحلله ويشرح مواطن القوة والضعف فيه، بينما التنمر يستهدف الشخص ويختزل تجربته كلها في حكم ساخر أو جارح. ولذلك فإن مأمون سوار الدهب، في تقديري، لا يحتاج إلى كل هذا الهجوم.
بل يحتاج إلى نقد موسيقي جاد، وتوجيه متخصص، وفرصة للتطور. والقضية في النهاية أكبر من مأمون نفسه.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء البيئة التي تنتج الفنان السوداني: بيئة تكتشف الموهبة، وتدربها، وتوجهها، وتربطها بتاريخها الموسيقي، ثم تتيح لها المجال للتجريب والتطور.
فإذا كان لدينا اعتراض على أداء فنان شاب، فلنستخدم أدوات النقد بدل أدوات التنمر، ولنحول الملاحظة إلى معرفة، والخطأ إلى فرصة للتعلم.
الفنان الشاب لا يحتاج إلى جمهور يصفق له دائماً، ولا إلى جمهور يهدمه عند أول خطأ وإنما يحتاج إلى منظومة تعرف كيف تقول له: هذا جميل، وهذا يحتاج إلى تطوير، وهذه هي الطريق التي يمكن أن تجعلك أفضل. وهذه في رأيي، هي وظيفة النقد الموسيقي والمؤسسة الفنية معاً.
الصورة المرفقة تظهر قائد الأوركسترا الشاب التونسي المميز مع الاستاذ ابو عركي البخيت الذي كان قد أعجب به جدا وقد كنت شاهداً على ذلك في منتصف العام 2022.

