الجالية السودانية بأسوان.. بعد الوفاق يبدأ الامتحان

0 4

بقلم: اسماعيل شريف
كل التحية والتقدير لكل جهد صادق دفع في اتجاه الوفاق ولمّ الشمل، ولكل من أدرك أن الجالية السودانية في أسوان أكبر من خلافات أبنائها، وأن ما يجمع السودانيين من هموم واحتياجات وآمال ينبغي أن يكون أقوى من كل تباين في الرؤى والمواقف.

من هذه الزاوية، فإن لجنة الوفاق خطوة تستحق الترحيب والدعم؛ لا لأنها أنهت الخلاف، وإنما لأنها فتحت الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن يتحول فيها الاختلاف من صراع إلى حوار، ومن تنازع على المواقع إلى تنافس في خدمة الناس لكن الوفاق، مهما بلغت أهميته، ليس محطة الوصول. الوفاق بداية الطريق، لا نهايته.

فالتوافق على تشكيل لجنة أو مكتب تنفيذي لا يصنع وحده مؤسسة ناجحة، كما أن اجتماع المختلفين حول طاولة واحدة لا يعني أن الخلافات قد انتهت إلى غير رجعة. العمل العام بطبيعته مساحة للاختلاف، وما تحتاجه الجالية ليس مجتمعًا بلا خلاف، وإنما مؤسسة قادرة على إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى خصومة، وعلى استيعاب الرأي الآخر دون أن يصبح النقد خروجًا على الصف.

وهنا تبدأ مسؤولية المكتب التنفيذي. لقد انتهت مرحلة التوافق على التشكيل، وبدأت مرحلة أصعب: مرحلة العمل. الجالية لا تنتظر بيانات جديدة بقدر ما تنتظر أثرًا جديدًا على الأرض؛ تنظيمًا يحفظ كرامتها، وخدمةً تصل إلى مستحقيها، وتمثيلًا عادلًا أمام الجهات الرسمية، وتنسيقًا جادًا بين كياناتها ومبادراتها، وحضورًا حقيقيًا في الملفات التي تمس حياة السودانيين في أسوان.

فالإنجاز ليس إضافة تجميلية إلى العمل العام، بل هو المعيار الذي ستُقاس به التجربة كلها. ومن حق أبناء الجالية أن يراقبوا، وأن ينصحوا، وأن ينتقدوا، وأن يختلفوا في الرأي، ما دام ذلك يتم في إطار الاحترام والمسؤولية.

وليس في ذلك انتقاص من الوفاق، بل حماية له. فالوفاق الذي يخشى النقد يظل هشًا، أما الوفاق الذي يستوعب الاختلاف ويحوّله إلى مراجعة وتصحيح، فهو الذي يملك فرصة حقيقية للاستمرار.

وفي المقابل، فإن مسؤولية أبناء الجالية أن يمنحوا المكتب التنفيذي فرصته، وألا يستبقوا نتائجه، وأن يحكموا على تجربته بما ينجزه لا بما يُقال عنه، وأن يدعموا كل خطوة تصب في مصلحة الناس.

فالوفاق الحقيقي لا يعني أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نتفق على قواعد الاختلاف، وأن تبقى مصلحة الجالية فوق الأشخاص، والمؤسسة فوق الفرد، والإنجاز فوق الشعارات. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول الوفاق إلى مظلة تحجب النقد.

أو أن يصبح الدفاع عن وحدة الصف ذريعة لإسكات الأصوات المختلفة. كما أن الخطر المقابل هو أن يتحول النقد إلى خصومة، والاختلاف إلى اصطفاف، فتعود الجالية إلى المربع الذي خرجت منه.

لقد أتعبتنا الخلافات بما يكفي. ولا نريد وفاقًا شكليًا يغير الوجوه والمواقع ويترك أسباب الخلاف كامنة تحت السطح، كما لا نريد إعادة إنتاج الصراع القديم بأسماء جديدة.

ما نريده هو وفاق يؤسس لثقافة جديدة في العمل العام؛ يكون فيها الاختلاف حقًا، والاحترام واجبًا، والمساءلة وسيلة للتصحيح، والإنجاز لغة مشتركة، والجالية كلها صاحبة المصلحة. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى كثير من الكلام بقدر ما تحتاج إلى عمل هادئ ومنظم.

أبواب مفتوحة للجميع، واستماع حقيقي للناس، وقرارات واضحة، وتواصل مسؤول، وشفافية في الأداء، وترك الميدان وحده ليكون الفيصل. لقد نجح المختلفون في أن يجلسوا معًا.

وهذا في حد ذاته خطوة مهمة. لكن النجاح الأكبر أن يظلوا معًا وهم يعملون، ويختلفون، ويتفقون، ويصححون، ويتنازلون حين تقتضي المصلحة، دون أن تتحول الخلافات إلى معارك جديدة.

الوفاق جمع الأطراف حول الطاولة، والآن يبدأ الامتحان الحقيقي: هل يستطيع المكتب التنفيذي أن يجمع الجالية حول الإنجاز؟ هنا فقط يأخذ الوفاق معناه الحقيقي. وهنا فقط تبدأ الصفحة الجديدة.السودان يجمعنا، والجالية مسؤولية الجميع.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق