الحزب الشيوعي وتقييد الكارزما بالتنظيم
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
في البدء أوضح أنني قد أخرجت الحزب الشيوعي من سلسلة المقالات التي نشرت في اليومين الماضيين.
باعتبار أن تجربة الحزب الشيوعي في التنظيم والكارزما تختلف جوهرياً عن البناء التنظيمي للأحزاب الأخرى ودور الكارزما فيه.
فالبناء التنظيمي للحزب الشيوعي لم يتخلق من التجربة الاجتماعية والسياسية السودانية، لأن المجتمع السوداني ثقافياً وسياسياً يختلف عن المجتمعات الأخرى.
لذلك تبنى الحزب مجهودات لينين الديكتاتورية. وهنا يبرز سؤال مهم: هل ذلك عجز في العقل السياسي السوداني، أم أن الفكرة نفسها تجعل التابعين لها خاضعين لأصحابها؟.
لهذا تبنى الشيوعيون السودانيون رؤية فلاديمير لينين للحزب، الذي يعتبره الأداة الطليعية التي تنجز ثورة البروليتاريا.
ولذلك كثّف الحزب من القوانين واللوائح التي تقيده تقييداً محكماً، وهي التي عُرفت بـ”الديمقراطية المركزية”.
كتب الدكتور صديق الزيلعي في مقاله بعنوان “جمود مفهوم لينين للتنظيم الحزبي وتحديات الواقع المتغير” الذي نشر في 19 أكتوبر 2017م.
قائلاً إن أطروحات دعاة المركزية الديمقراطية تتركز في أنها أنسب الأشكال لتنظيم الأحزاب الثورية التي تواجه القمع من الأنظمة الحاكمة.
لأن تلك الأحزاب غالباً ما تكون معادية للأنظمة القائمة، مما يعرضها للحظر والمطاردة وكافة أشكال القمع.
غير أن هذا المفهوم تعرض لنقد حاد من الخاتم عدلان في مبحثه “آن أوان التغيير”.
حيث وصف “المركزية الديمقراطية” بأنها الداء العضال في الحزب، لأنها ـ بحسب رأيه ـ تعيق نموه وتحبط تطوره.
ويرى أن هذا المبدأ التنظيمي مسؤول عن عقم الحياة الداخلية للحزب، وضيق صدره بالخلاف في الرأي، وتبرمه باستقلال الفرد ونمو شخصيته المستقلة.
إضافة إلى اشتراط الطاعة المطلقة للكوادر كشرط أساسي للترقي الحزبي. كما حمّلها مسؤولية ظهور الشيخوخة المبكرة في هيئات الحزب القيادية.
وعندما قدم الخاتم عدلان رؤيته في “آن أوان التغيير”، كان على علم بأن الحوارات داخل الحزب الشيوعي، في ظل “المركزية الديمقراطية”.
لا يمكن أن تصل إلى نتائج إيجابية، بسبب سيطرة فئة صغيرة على التنظيم من خلال هذا المبدأ.
عندما تأسست الحركة الوطنية للتحرر الوطني في أربعينيات القرن الماضي، كانت حركة ناشئة لم تتبنَّ بعد الثقافة السياسية اللينينية.
فقد جاءت قيادة الحركة، ممثلة في عبد الوهاب زين العابدين، بمقترح أن تكون الحركة جزءاً من التيار الاتحادي.
لكن هذا المقترح أدى إلى خلاف مع عبد الخالق محجوب، الذي اتهم زين العابدين بالانحراف اليميني.
كما نشب صراع آخر عندما كان عوض عبد الرازق يقود الجبهة الوطنية المعادية للاستعمار عام 1952م،
إذ ذهب في الاتجاه نفسه الذي دعا إليه عبد الوهاب زين العابدين، فاتهمه عبد الخالق أيضاً بالتحريفية. واستخدم عبد الخالق التنظيم في تصفية حساباته مع كل من خالفه الرأي.
والملاحظة أن المجموعة التي شاركت في العمل الشيوعي مع المصريين، وكانت وراء تأسيس “حستو”، مثلت تيار التنظيمية والنصوصية في الحزب.
وكان التجاني الطيب أبرز ممثلي هذا الاتجاه، كما عزز عز الدين علي عامر هذا التيار مع مجموعة أخرى داخل السودان، يضاف إليهم يوسف حسين وصديق يوسف وسليمان حامد.
هؤلاء أصبحوا الأكثر تمسكاً باللوائح التي تضمن استمرارية “المركزية الديمقراطية”، بهدف حماية مواقعهم داخل الحزب، واختيار القيادات التي تساعدهم على ترسيخ هذا النهج.
لكن بعد رحيل بعض القيادات، أصبح تيار العضوية التي جاءت من الدول التي كانت ضمن منظومة الاتحاد السوفيتي السابقة هو المسيطر اليوم على الحزب، ومعه بعض عبدة النصوص وقيادات عملت في الحقل النقابي.
وفي مقال الزيلعي أورد حديثاً لمحمد إبراهيم نقد حول هذه المعضلة، حيث قال إن النظام الداخلي يمثل الحد الأدنى الملزم والضروري لمقومات حياة الحزب الثوري.
لكن الممارسة والتجربة الجماعية الواسعة لمئات وآلاف الأعضاء والكادر في فروع الحزب أغنى وأكثر تنوعاً وعمقاً من هذا الحد الأدنى.
ولذلك تخضع اللائحة دورياً للتطوير والتعديل في المؤتمرات، حتى في البنود الثابتة مثل المركزية الديمقراطية وشروط العضوية وحقوق الأعضاء وواجباتهم.
كما أشار الزيلعي إلى رؤية التجاني الطيب، الذي كان من أشد المدافعين عن المركزية الديمقراطية، حيث اعتبر أن المركزية هي المبدأ الأساسي لوحدة وتماسك الجماعات.
وذهب إلى أن هذا المبدأ تطور عبر التاريخ من صورته البسيطة في زعيم العائلة والعشيرة إلى أشكاله المعقدة في الملكيات والإمبراطوريات التي تحكم مجموعات بشرية كبيرة ومتنوعة.
ومع ذلك كان الخاتم عدلان ـ في تقديري ـ مصيباً حين قال إن الحوار داخل الحزب الشيوعي لن يصل إلى نتيجة إيجابية ما دامت القيادات التاريخية مسيطرة على الحزب.
وقد بلغ استخدام الكارزما، ممثلة في عبد الخالق محجوب، للتنظيم درجة إلغاء قرارات مؤتمر الجريف الاستثنائي.
وهو ما أكده بروفيسور فاروق محمد إبراهيم في مقاله بمجلة “قضايا سودانية”.
أما شعار الديمقراطية الذي يرفعه الحزب الشيوعي فليس كما يفهمه دعاة الديمقراطية في الأحزاب الأخرى.
إذ سماه عبد الخالق محجوب “الديمقراطية الثورية”. ثم تحور لاحقاً إلى شعار “الثورة من أجل الديمقراطية”، بهدف خلق وعي مختلف لدى الأجيال الجديدة.
وفي رسالة لعبد الخالق محجوب إلى التجاني الطيب قبل إعدامه، عرّف مرحلة الثورة الديمقراطية بأنها مرحلة الانتقال إلى البناء الاشتراكي، بمعنى أن الاشتراكية هي ديكتاتورية البروليتاريا.
إن استغلال الوعي المنخفض لدى الجماهير ـ وهو ما حذر منه عبد الخالق نفسه ـ أصبح اليوم وسيلة يستخدمها الحزب الشيوعي.
بحسب هذا الطرح، في خلق وعي زائف لدى الجماهير، واستغلالها في صراعات لا علاقة لها بقضية الديمقراطية.
ومن خلال ذلك تحاول القيادات التاريخية الاستمرار في قبضتها على الحزب عبر “المركزية الديمقراطية”.
حيث يتحول التنظيم إلى بنية حديدية يمكن لأي مجموعة أن تستغلها للبقاء في القيادة، وهي جالسة على قمة هرم الحزب.
نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.