السودان نرجسية عقل أم غياب مشروع

15

مفهوم الثورة في الفكر السياسي هي حالة من الرفض الاجتماعي لنظام الحكم، ويصبح مفهوم التغيير شاملا وضروريا، ويمكن أن تكون الثورة سلمية، أو يتضمنها عنف بأنواعه المختلفة.

وبعد نجاح الثورة يصبح التفكير والتعقل مسألة ضرورية في مرحلة التغيير والبناء الجديد للمجتمع.. وهي مرحلة تنتقل من أدوات الثورة إلي أدوات جديدة يضحى العقل الأداة الجوهرية فيها.

ولكن إذا تغلبت إرادة الرفض على العقل تجعل التغيير نفسه سوف يواجه معضلات كثيرة.. فالعقل وحده هو الذي ينتج الفكر الذي يعتبر الركيزة الضرورية للتغيير.

لآن المناط به كشف المشكلات التي سوف تواجه عملية التغيير، ويقدم الحلول لها، وينقد الظواهر السالبة التي ربما تشكل تحديات في الممارسة، ويقدم الاستنارة المطلوبة.

أما حالة الرفض المستمرة إذا كانت ممارسة عملية، أو حتى لفظية، تبين سيطرة الثقافة السالبة من جانب، وضعف المعرفة والثقافة الديمقراطية، وأيضا الجهل بمطلوبات عمليتي التغيير والبناء.

وهي سوف تصبح عقبة كأوود امام عملية التغيير والاستقرار..
فالتاريخ يبن لنا أن الثورة تحتاج إلي قطاع واسع من الجماهير، وقيادات مدركة لدورها في العملية.

والمشكلة تصبح بعد عملية تغيير النظام، لأن عملية البناء تحتاج إلي أدوات مغايرة، وأذهان متقدة، وفي نفس الوقت مختلفة تماما عن أدوات الثورة.

الكثيرون الذين يطلقون أن الثورة الفرنسية هي التي قد أحدثت التحول الديمقراطي في فرنسا ، ثم كانت بداية تحول ديمقراطي في المجتمعات الغربية.

لا يقصدون الجماهير التي خرجت في الثورة وأطاحت بالملك وقتلت الملك لويس السادس عشر والملكة أنطونيت، والعديد من رموز المجتمع عبر المقاصل.

بل الذين أحدثوا عملية التحول الديمقراطي هم النبلاء والنخب المثقفة في فرنسا.

وهي العقول التي كانت تدرك دورها في عملية التغيير والبناء، أمثال جان جاك روسو وفولتير ومنتسكيو، حيث كانت المرحلة بعد الثورة تحتاج إلي ثقافة جديدة تتجاوز السابقة، وكانت تحتاج إلي تنوير.

لذلك قال كانط أن التنوير هو خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي والوصول لسن الرشد.

فالعقول المستنيرة هي التي جاءت بالعقد الاجتماعي، وفكرة فصل السلطات، والحرية لكل القطاعات وتغيير القوانين لمصلحة التحول الجديد.

أن عملية التغيير في كل الدول التي تنتقل من نظام إلي أخر عبر ثورة شعبية، وخاصة من الشمولية إلي الديمقراطية، سوف تواجه تحديات كبيرة.. بسبب ارتباط مصالح البعض بالنظام القديم، وأيضا مصالح المتطلعين في النظام الجديد.

لكن نجاح عملية البناء والتغيير ترتبط بنوعية القيادات ومهاراتها وإدراكها، ودور الأحزاب وتصورها ودور مفكريها في عملية البناء.

وإذا كانت الأحزاب تعاني من انقسامات، وفقدانها للمشروع السياسي الذي يحدد وجهتها سوف تفشل في عملية التغيير والبناء وهي نفسها تشكل أكبرعائقا لها.

ويعتبر الإعلام والصحافة من أهم أدوات التغيير، ويجب أن تصبح مؤسسات مجتمعية ترتبط بحاجة المواطن المجتمع وحقوقهم وإرشادهم.

وليس مؤسسات سلطوية تستخدمها النظم السياسية من أجل الدفاع عنها، فهي تعتبر السلطة الرابعة في البلاد.. نسأل الله حسن البصيرة..
بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن

Comments are closed.