المخابرات من الدغمائية إلى الانفتاح الفكري
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
من خلال الرصد لكلمة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز المخابرات العامة، في ملتقى الإعلاميين الذي عُقد في الخرطوم خلال اليومين السابقين، استوقفتني بعض الجمل التي لا بد من التوقف عندها؛ لأنها تمثل لغة جديدة وتطورًا في السجل التاريخي للجهاز الأمني الذي بدأ رحلته منذ تأسيسه في عام 1970م، عندما كان فاروق حمد الله وزيرًا للداخلية في النظام المايوي، وبعث أول بعثة إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية في ذلك الوقت.
وتطور الجهاز عندما أصبح قائده عمر محمد الطيب، الذي جعل الجهاز خليطًا من مناديب من الشرطة والقوات المسلحة، ثم أحدثت الجبهة الإسلامية تغييرًا في الجهاز، عندما استوعبت العديد من عناصر التنظيم السياسي «خريجي الجامعات» في الجهاز.
إن الجهاز أصبح يدعم التنظيم السياسي أكثر من دعم الدولة، الأمر الذي خلق ثقافة شوفينية وسط قيادات الجهاز، لذلك أصبح التنظيم في تعاملاته مع المواطنين والناشطين غير ملتزم بنصوص القانون، لأنه من البداية اختار أن يقيم سلطة استبدادية عليهم، ونسي هؤلاء «قانون نيوتن للحركة: لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومضادة له في الاتجاه»، حيث أصبحت هناك هوة كبيرة بين الجهاز والمواطنين.
الغريب في الأمر أن الذين أسسوا الجهاز في عام 1970م لمحاربة القوى السياسية الأخرى «الجبهة الوطنية»، هم أكثر الناس الذين أصبحوا مطاردين من قبل الجهاز عندما حدث داخلهم صراع أدى إلى انشقاق طولي، وحدث الفعل مرة أخرى عندما حدثت المفاصلة داخل التنظيم الحاكم عام 1999م.
كلمة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل في ملتقى الإعلاميين تحتاج إلى وقفة؛ لأنها تمثل رؤية جديدة وسلوكًا جديدًا في التعامل، عندما قال: «رغم أن الظروف تتيح لجهاز المخابرات اتخاذ إجراءات واسعة، إلا إننا اخترنا أن نكون ديمقراطيين مع الأحداث، ونتجه إلى القانون بهدف إعلاء قيمته وجعل الجميع سواسية».
إن الشعارات من أجل الديمقراطية لا تحققها في المجتمع، لكن الممارسة واحترام القانون والرأي الآخر هو الذي يعبد طريق الديمقراطية. فالديمقراطية لا تتحقق بحمل السلاح ضد الدولة، لكنها تتحقق باحترام الدستور والقانون.
واتساع مواعين الديمقراطية ليست في مؤسسات الدولة لوحدها، وأيضًا في الأحزاب التي تعتبر معامل لصناعة الثقافة الديمقراطية، وإذا فشلت الأحزاب أن تصبح ديمقراطية، تصبح هي نفسها في حالة عداء معها.
إن الجهاز عندما يقر بأنه يريد الالتزام بالقانون والتعامل وفقًا له، يتحول الشعار إلى فعل يخلق ثقافته في المجتمع.
أثرت هذه القضية عندما فتح جهاز المخابرات بلاغًا في الصحافي قرشي عوض، وبدأ الزملاء يرفعون رايات إطلاق سراحه من الاعتقال، رغم أن الجهاز لم يعتقله، لكن تم استدعاؤه من قبل المباحث للتحقيق معه.
قلت إن هذه الظاهرة تعد تحولًا كبيرًا في الممارسة الديمقراطية. وأكد قرشي، بعد خروجه، في أول لايف له، أن الجهاز لم يعتقله ولم يلتقِ بهم. لكن رافعي الشعارات استنكروا ذلك؛ لأن البعض تتناقض ثقافته مع الثقافة الديمقراطية دون أن يكون له وعي بذلك.
إن الديمقراطية تؤسس بالوعي بالحقوق والواجبات، وأيضًا باحترام القانون والإجراءات التي يُؤسَّس عليها.
انتقل رئيس الجهاز إلى نقطة أخرى في حديثه عندما قال: «الحرب الحالية هي حرب اللا دولة مع الدولة، وهي أسوأ حرب شهدها السودان، وخلقت مرارات ومآسي دخلت عقر دار كل بيت سوداني».
حقيقة لا بد أن يفرق المرء في الاختيار بين أن يكون مع الدولة أو مع القوى التي تشن الحرب على الدولة ومدعومة من دول خارجية؛ لأن الدول الخارجية لا تدعم إلا مصالحها الخاصة.
وعدم التفريق يؤكد ضعف التربية الوطنية، وهي نتاج لطول النظم الشمولية، والتي تحدث إرباكًا في الوعي السياسي عند المواطنين؛ لأن النظم الشمولية لا تنتج إلا ثقافة مناهضة للقوانين، وانتشارًا للفساد وعدم احترام للمؤسسات العدلية، الأمر الذي ينشر ثقافة التبرير، وهي ثقافة تولد الاستبداد والتسلط والمداراة والكذب.
كتب العديد من الإعلاميين والصحافيين عن ملتقى الإعلاميين، وسألوا في كتاباتهم: من الذي دعا إليه؟
ومن خلال الحديث المنقول عن رئيس الجهاز، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، بالقول: «لم يكن بالإمكان دعوة جميع الصحفيين إلى ملتقى الحوار، ونتمنى أن يكمل اتحاد الصحفيين الحوار مع بقية الصحفيين، وملتزمون بتنفيذ مخرجات الملتقى».
إن الدعوة جاءت من قبل الجهاز بالمشورة مع اتحاد الصحافيين، ومن حق الجهاز أن يختار الإعلاميين الذين يريد من خلالهم توصيل رسالته.
ولا أعتقد أن الصحافي والإعلامي الذي عنده موقف سيتوقف أمام مثل هذه الدعوات؛ لأن القضايا الوطنية مرتبطة بالقناعات الذاتية تجاه الوطن، وليست مرتبطة باللقاءات، والمهم كيف توصل رؤيتك في المجتمع، وهي التحدي الأكبر.
أتذكر في زمن الإنقاذ، وبعد رجوع صلاح قوش للجهاز، قدم دعوات اجتماعية وثقافية. اعتقد البعض أن الجهاز يريد استقطاب البعض، وكتبت مقالًا في «جريدة الأحداث»: لماذا لا تؤخذ من جانب آخر، أن الجهاز شعر أن سمعته في المجتمع تتراجع كثيرًا، وهم يريدون أن يتجملوا؟
وهي كلها ثقافة تخلقت منذ السبعينيات وتكاثرت في زمن الإنقاذ. الآن الناس محتاجة أن تراجع نفسها، وكيف تخلق علاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
وأعتقد أن الجهاز إذا استطاع أن يؤسس «مركزًا للدراسات الاستراتيجية والبحوث» مع مكتبة كبيرة، سوف يخلق علاقة وطيدة بينه وبين الصحافيين والإعلاميين والنخب السياسية؛ لأن الجهاز يملك معلومات تكون غائبة عن هؤلاء، وتساعدهم في التحليلات والدراسات، وأيضًا تخلق مساحة كبيرة من الوعي عند قطاع واسع من المواطنين، وهذه لوحدها أهم سلاح لحماية الوطن.
فالنضال من أجل الديمقراطية مسألة مشروعة، والاختلاف في الرؤى حقيقة، ويرجع بسبب اتساع المعارف والتجارب، ولكن غير المرغوب هو أن يكون الشخص منفذًا لدول أرنبة أنف النفوذ الخارجي في قضايا الوطن.
نسأل الله حسن البصيرة.
