المسافة السياسية بين واشنطون والخرطوم
الذي يقرأ تاريخ المسافة السياسية بين واشنطن وعواصم الدول الأخرى في العالم يستطيع أن يتنبأ بالسياسة الأمريكية خارج حدودها.
وأمريكا تمددت قواتها خارج حدودها في “الحرب الاسبانية الأمريكية” حيث احتلت أمريكا الفلبين عام 1898م بموجب معاهدة باريس بين البلدين.
وخرجت من الفلبين بعد تصاعد المعارضة المسلحة ضدها في 1946م، وأيضا أرسلت أمريكا قواتها إلي الصراع في فيتنام عام 1965.
واشتعلت الحرب ضدها من قبل الثوار في فيتنام الشمالية حتى خرجت قواتها في عام 1973.
ولكنها واصلت مساندتها ودعمها إلي فيتنام الجنوبية حتى سقط عام 1975م، ودخلت أمريكا حرب كوريا مناصرة لكوريا الشمالية 1950م.
وشاركت حتى وقف الحرب 1953م، ثم بنت قواعدها في كوريا الجنوبية خلال اتفاقية للدفاع المشترك، وغزت افغانستان 2001م للقضاء على طالبان.
خرجت منها عام 2021م ورجع طالبان، كل هذه الحروب كانت لأسباب إستراتيجية تتعلق بالمصالح الأمريكية في مناطق أسيا.
وشجعت أسرائيل على ضرب إيران للقضاء على البرنامج النووي الإيراني حتى لا تمتلك أسلحة ردع.
في أيادي دول لا تدور في الفلك الأمريكي، وأمريكا هي التي طلبت وقف الحرب بين إيران وإسرائيل.
السؤال هل إمريكا لها مصالح ذاتية في السودان تجعلها تتخذ موقفا لإعلان حرب بقواتها في السودان.؟.
أمريكا قررت التحالف مع السودان في ستينات القرن الماضي باعتباره دولة محورية في المنطقة الإستراتيجية بين منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وأيضا إحدى الدول التي تطل على البحر الأحمر الذي تمر به أكثر من 70% من التجارة العالمية.
وتجعله ذراعها في هذه المنطقة لمحاربة التمدد الشيوعي، ورفض السودانيون ذلك، ورفضوا المعونة الأمريكية.
ورجعت أمريكا للسودان من خلال شركة شيفرون عام 1975م وخرجت من السودان في 1984م متعللة أن الحرب التي اندلعت 1983 تؤثر على أعمالها.
رجعت بقوة في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1997م حيث أعلنت مادلين أولبرايت في كمبالا إزالة نظام الإنقاذ بالحرب وفشل مسعاها ذلك.
ثم رجعت أمريكا للسودان بعد ثورة ديسمبر 2018م ورفعت تمثيلها الدوبلوماسي بدرجة سفير “جون غودوفري” لتشارك في هندسة السياسة بالسودان.
من خلال ما سمي باللجنة الرباعية “أمريكا وبريطانيا والسعودية والأمارات” وأمريكا هي صاحبة فكرة “الإتفاق الإطاري”
الذي قدمته مساعدة وزير الخارجية الأمريكي “مولي في”.
وهي أيضا التي جاءت ب “فكرة ورشة نقابة المحامين” لكي تساعد في زيادة قاعدة المشاركة في “الإتفاق الإطاري”.
وبموجبها تم استيعاب المؤتمر الشعبي جناح علي الحاج وأنصار السنة.
وأمريكا هي صاحبة فكرة “تقدم” عندما طلبت من الاربعة “نور الدين ساتي والباقر العفيف وعبد الرحمن الأمين وبكري الجاك”.
وجميعهم مقيمين بأمريكا ومقربين من وزارة الخارجية أن يدعوا إلي تحالف القوى المدنية لتوسيع قاعدة المشاركة.
كانت أمريكا تريد أن تغير قيادة “قحت المركزي” اعتقادا منها أنها أصبحت قيادات دون قواع شعبية تدعمها.
وبالتالي تأتي بقيادات يكون لها قوة في الشارع السودان لذلك دفعت بحمدوك لرئاسة التحالف وعدد من المستقلين وتراجعت القيادات السياسية.
طلبت أمريكا من “قحت المركزي” أن تعقد مؤتمرها في القاهرة بهدف أن تصدر بيان تنادي فيه بتوسيع قاعدة المشاركة.
وإذا كان هناك شرط يكون قاصرا فقط دون مشاركة “المؤنمر الوطني” وبالتالي تفتح الباب أمام الكتل الإسلامية الأخرى.
وبالفعل تم عقد المؤتمر وصدر البيان ولم يجد إستجابة, ثم تولت “تقدم” إدارة الملف، واخطأت المسافة إستراتيجيا عندما ذهبت إلي أديس أبابا.
ووقعت على “إعلان إديس ابابا” مع الميليشيا الأمر الذي جعلها تقع تحت هجوم شرس للمناوئين لها، وبعدها حصل اجتماع القاهرة ثم باريس وجنيف.
وجميعها لم تساعد على إحداث تغيير في الساحة داعم لتقدم، رغم الإستعانة برموز إسلامية ويسارية وغيرها لإنجاح هذه الاجتماعات.
ولكن لم تنجح، وفشلت بريطانيا والأمارات في تحريك القضية في “مجلس الأمن” بهدف التدخل عبر قوات دولية تحت البند السابع، أو حماية للإغاثة.
وفشلت المحاولات جميعها في منظمات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.. خاصة الداعية لحماية الإغاثة بقوات دولية وفشلت بفيتو روسي.
تغيرت الإدارة الأمريكية التي قامت بتلك المجهودات، بهدف أن تحدث تغييرا في قيادة الدولة للقوى التي تعتقد أنها سوف تنفذ لها مصالحها، سياسيا وشعبيا.
وحتى جدة نفسها أصبحت من مخلفات الفشل، إدارة ترامب لم تأتي بمبعوث أمريكي يدير معركتها في السودان.
أنما طلبت حضور وزراء خارجية بعض الدول التي تعتقد لهم تأثيرا في مجريات الحرب، للتشاور حول تحقيق السلام في السودان.
ولكي يكون داعما للرئيس ترامب أن ينال جائزة نوبل للسلام.. وأيضا أن يجدوا مخرجا لدولة الأمارات الداعم الأساس للميليشيا من الحملة الشعبية السودانية ضدها.
وأمريكا ليست بعيدة من حرب السودان مادام هي تشكل حماية للأمارات، وتمدها بالسلاح الأمريكي الذي وجد في مخازن الميليشيا.
أمريكا لن تتدخل بصورة مباشرة في الحرب، ولكنها تبحث عن سبل مرضية على أن تصبح البلاد دون ميليشيا.
لا توجد مصالح لأمريكا مباشرة في السودان، ولكنها وسيط لإرضاء الأمارات.
أن التيارات السودانية منقسمة إلي ثلاثة أقسام.
الأولى تؤيد الجيش وتصر على استمرار الحرب حتى الانتصار على الميليشيا ثم بعد ذلك يبدأ الحوار السياسي السوداني بين القوى السياسي دون أية شروط مسبقة.
الثانية يريدون تدخلا أجنبيا لأنهم يعتقدوا أن الخارج سوف يشكل لهم رافعة للسلطة، ومن ثم حمايتهم داخل السودان.
الثالثة هي أقرب للمجموعة الثانية ولكنها تحاول أن تتجمل ببعض الشعارات، وهي أقرب للإنتهازية من المواقف المبدئية.
أن اجتماع واشنطن لن يفرض شيئا على الشعب ولن يمارس عليه ضغطا.. هي فقط تغيير موقع جغرافي لما حدث في جدة، وإرضاء أمريكا لبعض حلفائها.
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

Comments are closed.