انعكاسات الواقع على مستقبل السياسة

12

بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن
خلافات بناء الوعي في الساحة السياسية السودانية، تحكمه مقولاتنا فلسفيتان “أنعكاس المادة على الدماغ” وهي تعد العمود الفقري للفلسفة الماركسية والأخرى تقول أن الوعي نتيجة انعكاس الدماغ على المادة هو الذي يشكل الوعي.

والمقولة الأخيرة أكثر من قدم فيها أطروحة فلسفية محمد باقر الصدر في كتابه “فلسفتنا” لكن نجد أن الممارسة السياسية وأبعاد الوعي في جدل التيارات السياسية السودانية أغلبها يستند بوعي أو دون وعي للمقولة الماركسية.

وهي تتمحور في أن الوعي نتيجة لانعكاس الواقع على الدماغ.. لكن عندما يشير المرء لمجريات العمل السياسي الحالي في السودان، والقوى المتحكمة فعليا فيه، وهي التي تصنع الأحداث، وتحدد أجندة الحوار.. تجد أن الأغلبية تتوجس من ذلك، لأن الاعتراف بحقائق الواقع يكشف ضعفها.

أضطرني لهذه المقدمة سؤال قد طرحه عليٌ الأستاذ محمد زين العابدين عبد القادر، والذي كان من قبل قد قدم أطروحات فكرية في بداية الثورة على مجموعة بابكر فيصل التي تقود كتلة “التجمع الاتحادي” ولكن للأسف وزعت على بعض الناس دون أن تنشر لكي تخلق حوارا فكريا حولها.

ويقول في سؤاله (ما حدث ويحدث في السودان متسارع ومن الصعوبة بمكان ملاحقته، إلا كما هو يلاحقنا بصورة تعجيزية.

إلي أي أفق وبعد ترى أن ذلك سيرخي سدله على مشهد الطائفية ورأسماليتها في مظان نفوذها شمال السودان الختمية وغربه الأنصار.

لاسيما طائفة الختمية التي يعبر أثريائها عن أنفسهم بتداخل مصالحهم مع السيد محمد عثمان أو آي ميرغني آخر في موقع السجادة.

الوضع في الغرب مختلف حميدتي يمكن أن يقوم بعملية النهب المنظم للموارد بأفرع لتجار جدد رغم أنه يرفض الشراكة، أظهر ذلك في أكثر من موقف.

السؤال في بعده السياسي، معرفة التأثيرات التي سوف تحدث على الواقع وخاصة على قوى سياسية كانت تشكل أعمدة البناء السياسي في البلاد.

وأية أسئلة تطرح لكي تتعرف على جوهر التأثيرات التي تحدث ألان وسوف تحدث في المستقبل بسبب الحرب الجارية الآن، ولمعرفة ذلك.

لابد من قراءة الواقع لمعرفة القوى الفاعلة والتي تتحكم في صناعة الأحداث، لأنها هي التي سوف تقدم أجندة المستقبل.

كثير من المثقفين وحتى العناصر المنتمية لا يريدون ذلك..! لأنها تعري وتفضح مقولاتهم الهشة الي تتجافى مع حقائق الواقع.

حتى آهل الفسلفة الماركسية يهربون من مقولة “أن الوعي يشكله الصراع الحادث الآن في الواقع وليس واقعا افتراضيا”.

وعندما أشرت تكرار من قبل أن الحرب سوف تبرز قيادات جديدة يعتبرون ذلك مناصرة لقوى دون الأخرى.. هو بالفعل ما أشارت إليه الماركسية التي يستبطنونها دون وعي.

أي “الديالكتيك” الذي يتضمن ثلاث قوانين “صراع المتناقضات وقانون الكم والكيف وقانون نفي النفي” والحرب صراع يوصلنا لنتائج يتحكم فيها فعل الواقع وليست الشعارات.

بالضرورة أن الحزبين “الاتحادي والأمة” سوف يتأثران تأثيرا كبيرا بالحرب، وبدأ التأثير يظهر في الصراع الدائر داخل تلك البناءات الأسرية، وهي صراعات من أجل السلطة والتحكم في صناعة القرار داخل الطائفتين.

وتجد أن القوى الفاعلة في الصراع ومحركة له، هي مجموعات تبحث عن مصالحها الذاتية، وليست مصالح وطنية، وتريد أن يظل الحزب بصورته السالبة حتى تضمن السيطرة التي توفر لها فرص تحقيق مصالحها الذاتية.

فالقوانين التي تحكم الصراع والمتناقضات سوف يجعلها تفرز قيادات جديدة في الساحة السياسية تتجاوز أولئك.. والآن نجد أن الحزبين هما على هامش الفعل السياسي، ولا يتحكمان في مسار العملية السياسية كما كان في الماضي.

أن حميدتي أصبح فعل ماضي؛ رغم استمرارية الحرب، لأنه الآن لا يملك القوة العسكرية ولا القوى الاجتماعية الواعية التي تسطيع إعادته إلي الساحة السياسية.

وكل الممارسات التي تتم من خلال “حكومة التأسيس وغيرها” هي محاولة من أجل إعادة أصحابها للساحة السياسية عبر التفاوض.

وحميدتي قد خسر فرصة كبيرة كانت تؤهله على السيطرة الفعلية على حزب الأمة، ومن خلال الثروة التي جمعها، وأيضا السيطرة على القيادات الأهلية.

ويرث كل مناطق نفوذ حزب الأمة في كردفان ودارفور وأيضا يتنافس في دوائر الحضر.. لكن قصور الوعي جعله يعتمد على البندقية في تحقيق أهدافه.

هو فعل سوف يترك جروح غائرة في جسد النسيج الاجتماعي في ولايات كردفان دارفور وغيرها من الولايات الأخرى خاصة الجزيرة وسنار.

الملاحظ أن الحزبين منذ انقلاب الجبهة الإسلامية في 30 يونيو 1989م كانا قد خرجا من صناعة الأحداث، عندما كونا المعارضة ضد نظام الإنقاذ.

“التجمع الوطني الديمقراطي” كانت قيادته الفعلية عند “الحركة الشعبية” بعد اتفاقية “نيفاشا 2005” أيضا كانا على هامش الفعل السياسي.

وبعد ثورة ديسمبر ظل دورهم ثانويا إلا بعد الانشقاق الذي حدث داخل “قوى الحرية والتغيير” رجع حزب الأمة لكي يقود التحالف وبعد 25 أكتوبر 2021، تراجع دور حزب الأمة، حيث قبل أن تقوده عناصر مستقلة في تحالف “تقدم” أما الاتحاديون أحتكروا مقاعد الهامش السياسي أملا في تكوين حكومة تقدم لهم حقائب، أو انتظار انتخابات قادمة.. لذلك لا تجد لهم أثرا في كل الأحداث الدائرة في البلاد.

والحرب أيضا أثرت سلبا على حزب الأمة جعلته ينقسم إلي ثلاث مجموعات الأولى مؤيدة للميليشيا وحضرت كل اجتماعاتها وحتى تشكيل حكومتها.

ومجموعة مؤيدة للجيش تبحث عن تجمع العضوية لمواجهة المستقبل، ومجموعة ثالثة تقف بين المنزلتين، وجميعهم على هامش الفعل السياسي.

وربما تبرز مجموعات أخرى جديدة تستطيع أن تحرك الساكن في مجتمع الحزبين ولكنها فرصة تحتاج لظروف غير متوفرة الآن.. نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.