تراجع الأحزاب: غياب الكاريزما أم ضعف المؤسسية؟.. حزب الأمة نموذجًا ثانيًا (3 – 4)

17

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
تختلف طريقة تأسيس حزب الأمة اختلافًا كبيرًا عن تأسيس الحزب الوطني الاتحادي. فقد تشكّل حزب الأمة مباشرة من قيادة الطائفة ممثلة في السيد عبد الرحمن المهدي، رغم وجود عناصر من الطبقة الوسطى الناشئة حديثًا في المجتمع.

لذلك لم يستطع الحزب الخروج من دائرة بيت المهدي، وظلت القيادة في إطار الأسرة، مع تعدد الأفرع بحسب موقع الإمامة داخل البيت.

أما الحزب الوطني الاتحادي فقد نشأ من تحالف مجموعة أحزاب، أبرزها حزب الأشقاء، ولذلك تكوّنت غالبية الأحزاب الاتحادية خارج دائرة الطائفة.

ولم تتمكن الطائفة من السيطرة الكاملة على الحزب، الأمر الذي ساهم لاحقًا في الانشقاق الذي حدث عام 1957م. ثم عادت الطائفة للحزب بعد الاندماج بين الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، الذي أصبح اسمه بعد الاندماج الحزب الاتحادي الديمقراطي.

ورغم هذا الاندماج، لم تتمكن الطائفة من السيطرة على الحزب الجديد إلا بعد ضعف القيادات التي جاءت عقب الانتفاضة، والتي سلّمت الحزب للطائفة عمليًا.

حزب الأمة وهيمنة البيت المهدوي

ظل حزب الأمة في قبضة الطائفة، وبشكل خاص في أبناء وأحفاد السيد عبد الرحمن المهدي. لذلك كانت الطائفة تدفع بواجهات سياسية لقيادة الحزب خلال عهد السيد عبد الرحمن ثم الصديق عبد الرحمن المهدي.

ومع ذلك برز محمد أحمد محجوب ككاريزما سياسية مهمة، لكنه ظل يبني زعامته تحت سلطة إمام الأنصار الهادي المهدي، ما جعل هذه الكاريزما مقيدة بحدود الطائفة.

وعندما بلغ الصادق المهدي الثلاثين من عمره، طلبت الطائفة من نائب دائرة كوستي والجبلين أن يتنازل له عن مقعده، في خطوة تؤكد سيطرة الطائفة على القرار السياسي. كما طلب الصادق من محمد أحمد محجوب أن يتنازل له عن رئاسة الوزراء.

وقد أشار المحجوب إلى هذه الواقعة في كتابه «الديمقراطية في الميزان» قائلًا إن أفرادًا من عائلة المهدي زاروه في منزله مطالبين باستقالته من منصب رئيس الوزراء حتى يتولاه الصادق المهدي الذي بلغ الثلاثين آنذاك.

وعندما التقى المحجوب بالصادق وجده مصممًا على هذا الموقف، وقال له – كما ورد في الكتاب –: «إنني اتخذت موقفًا ولن أتزحزح عنه». وقد كان هذا الإصرار أحد أسباب انقسام الحزب عام 1966م.

انقسام الحزب وصراع الزعامة

أدى الانقسام إلى انقسام داخل بيت المهدي نفسه، حيث أصبح الهادي المهدي إمامًا للأنصار وذهب معه عدد من القيادات التاريخية للحزب، بينما قاد الصادق جناحًا آخر مدعومًا بالأجيال الجديدة داخل الحزب وطائفة الأنصار.

وجاءت انتخابات 1968م لتحدد موازين القوة بين الجناحين. فقد حصل حزب الأمة مجتمعًا على 60 دائرة انتخابية، منها 45 دائرة لجناح الإمام الهادي و15 دائرة لجناح الصادق المهدي. والمفارقة أن الصادق نفسه خسر الانتخابات في دائرة كوستي والجبلين أمام محمد داوود الخليفة، وهو ما أفسح المجال لتشكيل حكومة بقيادة الاتحاديين بالتحالف مع جناح الإمام الهادي.

الصادق المهدي بين الكاريزما والمؤسسية

تمكن الصادق المهدي من توحيد الحزب بعد انقلاب مايو 1969م، خاصة بعد وفاة الإمام الهادي المهدي. وفي تلك الفترة تشكلت الجبهة الوطنية التي ضمت قيادات من حزب الأمة والحزب الاتحادي والحركة الإسلامية، وخاضت مواجهة مسلحة مع نظام مايو، أبرزها عملية عام 1976م التي عُرفت بالغزو المسلح، لكنها فشلت في إسقاط النظام.

ومنذ ذلك الوقت أصبح الصادق المهدي الكاريزما السياسية التي قادت الحزب طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات وحتى وفاته في نوفمبر 2020م. غير أن بداية زعامته شهدت تناقضات فكرية واضحة، أبرزها توقيعه على اتفاقية المصالحة الوطنية مع الرئيس جعفر نميري في بورتسودان عام 1977م، حيث وافق على العمل في إطار نظام الحزب الواحد ودخل المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، بل وأكد في لقاء تلفزيوني قناعته بفكرة دولة الحزب الواحد.

وفي تلك المرحلة لم يظهر أي دور حقيقي للمؤسسية داخل الحزب، إذ أصبح الصادق نفسه هو المؤسسة.
وفي مقال كتبته في 20 يونيو 2013م بعنوان «الصادق المهدي مفكر متنازع بين هويتين» أشرت إلى أن شخصية الصادق قامت على ركيزتين أساسيتين:

الأولى علمه الأكاديمي، إذ تخرج في أعرق الجامعات البريطانية في العلوم السياسية، وكان واسع الاطلاع وميلُه للتدوين والكتابة جعله مختلفًا عن كثير من النخب السودانية التي تعتمد على المشافهة.

أما الركيزة الثانية فهي نسبه إلى بيت المهدي، وهو نسب لعب دورًا حاسمًا في صعوده السريع إلى قمة الهرم السياسي.

ولهذا يمكن القول إن النسب كان عاملًا مهمًا في وصوله المبكر لقيادة الحزب، بينما سعى الصادق لاحقًا إلى بناء كاريزمته السياسية عبر الطرح الفكري والخطاب السياسي في مختلف المنابر.

وفي خطاب افتتاح البرلمان عام 1986م، بعد فوز حزب الأمة بـ103 مقاعد، أشار الصادق المهدي إلى أن الحزب استطاع تحقيق مكاسب كبيرة في دوائر المدن ذات الكثافة العالية للمثقفين، ما عكس تحولًا في خطابه السياسي باتجاه مخاطبة الطبقة الوسطى.

غير أن هذه الكاريزما ظلت تطغى على المؤسسية داخل الحزب. فمن جهة كان الصادق يخشى حدوث اختراقات داخل طائفة الأنصار قد تؤثر على قيادته، ولذلك جمع بين منصب إمام الأنصار ورئاسة الحزب.

ومن جهة أخرى لم تتفاعل القاعدة الحزبية مع أطروحاته الفكرية كما ينبغي، ولم يجرؤ كثير من أعضاء الحزب على تقديم قراءات نقدية لكتاباته.

رحل الصادق المهدي في نوفمبر 2020م ككاريزما سياسية كبيرة، لكن برحيله وجد الحزب نفسه أمام فراغ قيادي واضح، لتعود الأسئلة القديمة مجددًا: هل كانت قوة الحزب في كاريزما الزعيم أم في مؤسساته؟
نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.