تراجع الأحزاب لغياب الكارزمات أم المؤسسية.. الحركة الإسلامية نموذج مختلف (4 ـ 4)
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
يختلف نموذج الحركة الإسلامية كثيراً عن نموذجي الحزب الاتحادي وحزب الأمة من ناحية الكارزمات وأيضاً المؤسسية.
فقد نشأت أول مجموعة للحركة الإسلامية في جامعة الخرطوم، وأسّسها كل من بابكر كرار ومحمد يوسف محمد، اللذين كانا يدرسان القانون في أواخر أربعينيات القرن الماضي.
وكان اسم الحركة آنذاك “حركة التحرير الإسلامي”، كتيار سياسي مخالف لتيار الجبهة الوطنية المعادية للاستعمار (حستو)، كما كان هناك أيضاً تنظيم الإخوان الذي قاده علي طالب الله.
في التاسع من نوفمبر 1959م قامت مجموعة من الحركة الإسلامية، بقيادة الرشيد طاهر بكر، بمحاولة انقلاب عسكري، لكنها فشلت. وقد حُكم على الرشيد بالسجن، وأُعدم عدد من العسكريين الذين شاركوا في تلك المحاولة.
برزت الحركة الإسلامية بقوة في الساحة السياسية خلال الندوة التي أُقيمت لمناقشة مشكلة الجنوب في جامعة الخرطوم في أكتوبر 1964م، حيث تحدث فيها الدكتور حسن عبد الله الترابي. وقد داهمت الشرطة الندوة، وقُتل خلالها الطالب أحمد القرشي طه، الأمر الذي أشعل ثورة أكتوبر التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود. ومنذ ذلك الوقت برز الدكتور حسن الترابي ككارزما قيادية للحركة الإسلامية.
في الوقت نفسه تبنّت الحركة الإسلامية، رغم عدائها للشيوعيين، جانباً من مشروعهم التنظيمي. فقد بدأت الحركة كتيار إسلامي صفوي محصور بين النخب والحركة الطلابية، وكان الصراع في المؤسسات التعليمية يدور أساساً بين التيارين الإسلامي والشيوعي، رغم وجود حزبي الاتحادي والأمة.
وفي عام 1965م قادت الحركة الإسلامية التظاهرات التي خرجت من معهد المعلمين، مطالبة بحل الحزب الشيوعي السوداني. ومنذ ذلك التاريخ بدأت الشعارات الإسلامية تأخذ مساحة أوسع في الساحة السياسية.
كارزما الترابي: كيف صنعت الحركة الإسلامية تنظيمها المؤسسي
بعد انقلاب مايو 1969م تكوّنت الجبهة الوطنية لمواجهة انقلاب الشيوعيين والقوميين. وفي ذلك الوقت ظل الترابي داخل السودان، بينما بقيت الحركة الإسلامية ذات طابع صفوي بعيداً عن التيار الشعبي العريض.
وفي عام 1973م قادت الجبهة الوطنية عملاً سياسياً شارك فيه طلاب الحركة الإسلامية بقيادة أحمد عثمان مكي، كما شاركت فيه الحركة العمالية التي كان للاتحاديين حضور قوي فيها، من خلال صالح عبد الرحمن رئيس النقابة العامة للصناعات الغذائية، وحسن مصطفى رئيس نقابة المخازن والمهمات، وسليمان سعيد من الحركة الإسلامية رئيس نقابة النقل الميكانيكي. وقد تم اعتقالهم بعد الندوة التي قادت إلى تلك التحركات.
كانت تلك أول محطة تظهر فيها الحركة الإسلامية قوتها وسط الحركة الطلابية. وقد عُرفت تلك الأحداث لاحقاً باسم ثورة شعبان 1973م، والتي دفعت الرئيس جعفر نميري إلى التفكير في فتح حوار مع الجبهة الوطنية.
بعد توقيع الصادق المهدي اتفاقية المصالحة الوطنية بين الجبهة الوطنية ونظام مايو في بورسودان عام 1977م، طالب نميري بأن تدخل أحزاب الجبهة في الاتحاد الاشتراكي، التنظيم السياسي الوحيد في الدولة. وفي ذلك الوقت كان الترابي في السجن، لكنه وافق على الاتفاقية، وكانت تلك المرة الأولى التي تمارس فيها الحركة ما يُعرف بفقه التقية السياسية.
استغل الترابي وجود الإسلاميين داخل السلطة ليؤسس شبكة من المؤسسات الاقتصادية والمالية، التي ساعدت التنظيم على الانتقال من حركة صفوية إلى حركة شعبية. فقد بدأ الإخوان يظهرون في المساجد والزوايا من خلال حلقات تلاوة القرآن والمدارسة وغيرها من الأنشطة الدعوية.
خلال تلك الفترة توسّع التنظيم بشكل كبير داخل الأحياء، وشارك في النوادي والنقابات. ورغم الحضور القوي لكارزما الدكتور الترابي، فإنه سمح أيضاً بدرجة من الاستقلالية للعديد من المؤسسات التنظيمية.
فتم إنشاء مكاتب متعددة مثل:
مكتب الطلاب، ومكتب النقابات العمالية، ومكتب النقابات المهنية، ومكتب المرأة، وتنظيم شباب البناء، إضافة إلى مكتب الإعلام ومكتب الأقاليم.
كما وجّه الترابي عدداً من الطلاب للالتحاق بمعهد الموسيقى والمسرح لفهم توجهات الشباب والتأثير في المجال الثقافي. وكانت هذه المؤسسات تتمتع بهامش من الاستقلالية في الحركة والقرار، لكنها ظلت جميعها تعمل تحت إدارة الكارزما القيادية للتنظيم.
في المقابل، أدى رفض الشريف حسين الهندي المشاركة في المصالحة الوطنية وعدم عودته إلى الساحة السياسية إلى إضعاف دور الحزب الاتحادي في التمدد وسط القطاعات الجديدة للقوى الحديثة.
كما أن دخول الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، في الاتحاد الاشتراكي ثم انسحابه منه لاحقاً، جعله مقيد الحركة ومراقباً من جهاز الأمن، الأمر الذي عطّل نشاط الحزب بصورة كبيرة.
أما الحزب الشيوعي فكان يعمل تحت الأرض منذ انقلاب هاشم العطا في 19 يوليو 1971م.
وبعد وفاة الشريف حسين الهندي في أثينا عام 1982م، وارتباط مصالح قيادات الطائفة بالاتحاد الاشتراكي، غابت الكارزما عن الاتحاديين. وقد أتاح ذلك فراغاً سياسياً استغلته الحركة الإسلامية لتطوير وتوسيع تنظيمها، حتى تحولت بالفعل من حركة صفوية إلى تيار سياسي جماهيري.
قاد حسن الترابي الجبهة الإسلامية في انتخابات 1986م، وظهر أثر الجهد التنظيمي الذي بُني خلال سنوات المصالحة الوطنية، حيث حصل الحزب على 51 مقعداً في البرلمان، ليصبح ثالث أكبر قوة سياسية في البلاد.
هذا الصعود دفع قيادة الحركة الإسلامية إلى التفكير جدياً في الاستيلاء على السلطة، وهو ما حدث بالفعل عبر انقلاب عام 1989م.
غياب الكارزمات بعد المفاصلة وتأثيره على مستقبل التيار الإسلامي
غير أن المشكلة التي واجهت الترابي والتنظيم لاحقاً تمثلت في إغلاق الساحة السياسية، حيث أصبح الإسلاميون وحدهم المتحكمين في السلطة، ولم تعد هناك قوى سياسية داخلية تشكل ضغطاً حقيقياً على التنظيم.
هذا الوضع أدى إلى انفجار الصراع داخل الحركة نفسها، خاصة بين القيادات التي صنعها الترابي، لينتهي الأمر إلى المفاصلة الشهيرة عام 1999م.
أدت المفاصلة إلى انقسام الحركة الإسلامية إلى تيارين متصارعين، أصبحا مع مرور الوقت غير مقبولين لدى قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة. ومن ثم بدأت تتشكل داخل هذه التيارات مجموعات معارضة، بينما لم تستطع الحركة الإسلامية داخل السلطة إنهاء الصراع الداخلي، الأمر الذي قاد إلى انقسامات متعددة.
وبعد رحيل الترابي انقسم حتى حزب المؤتمر الشعبي نفسه. كما شهدت مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر 2018م مزيداً من الانقسامات داخل التيارات الإسلامية المختلفة، في حين توزعت قيادات المؤتمر الوطني بين عدة مكونات.
وبذلك، وبعد غياب الترابي، غابت الكارزما وغابت معها المؤسسة. ومع ذلك تظل التحديات المشتركة التي تواجه هذه التيارات عاملاً قد يدفعها في بعض اللحظات إلى التقارب أو البحث عن وحدة جديدة.. نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.