تراجع الأحزاب: لغياب الكارزمات أم ضعف المؤسسية؟ (1 – 4)

12

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
قبل وقوع السودان تحت الاحتلال البريطاني، كانت القيادات السياسية في الممالك والمشيخات تتخرج من الخلاوي الدينية، مدعومة بغطاء قبلي أو مناطقي. وكان الحكم آنذاك لا يعتمد على تعدد المؤسسات، بل على الزعامة التقليدية المرتبطة بالقبيلة والدين.

بعد الاحتلال البريطاني وإدخال التعليم الحديث، أصبح التحصيل العلمي متاحاً للطلاب وفق احتياجات المستعمر. وإلى جانب ذلك توسع التحصيل الثقافي بفضل تعدد اللغات، خاصة العربية والإنجليزية، ما أتاح للطلاب التعرف على تيارات فكرية متنوعة.

أسهم هذا التنوع الثقافي في التعرف على أساليب الحوار الديمقراطي واحترام الرأي الآخر، كما رسخ فكرة تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع. وبدأ هذا الوعي يتشكل داخل نادي الخريجين منذ عام 1918م، ثم توسع عبر الجمعيات الأدبية والثقافية في الأحياء.

 

شكلت ثورة 1924م أول صدام حاد بين الحركة الوطنية والمستعمر، كما مثلت تظاهرات طلاب كلية غردون عام 1931م محطة مهمة في تصاعد الوعي السياسي. وقد عكست هذه المراحل اتساع الوعي السياسي وسط النخب السودانية الجديدة.

في عام 1938م ظهرت فكرة مؤتمر الخريجين كإطار جامع للنخب المتعلمة، وبدأت داخله تبرز شخصيات سياسية ذات تأثير وكارزما واضحة. ومع أربعينيات القرن الماضي تحول الصراع داخل نادي الخريجين من صراع قيادي داخلي إلى مواجهة مباشرة مع المستعمر.

هذا التحول أكد اتساع الوعي السياسي وسط الطبقة الوسطى في المجتمع السوداني. وقد أدى ذلك إلى ظهور أجندة سياسية جديدة تجاوزت قدرات مؤتمر الخريجين، ما جعل الحاجة ملحة لقيام مؤسسات سياسية جديدة قادرة على استيعاب هذا الوعي.

 

من هنا بدأت عملية تأسيس الأحزاب السياسية السودانية، ومعها برزت الكارزمات السياسية بصورة أوسع. وشهدت الساحة السياسية في البداية تعدداً حزبياً واسعاً، قبل أن تتجه لاحقاً إلى عمليات تجميع وتحالف بين الأحزاب.
نشأة الأحزاب السودانية مرت عبر مسارين رئيسيين.

الأول جاء نتيجة الصدام المباشر مع الاستعمار البريطاني، وأنتج عدداً من الأحزاب داخل السودان، مثل الأحزاب الاتحادية والأشقاء وحزب الأمة، إضافة إلى الحركة السودانية للتحرر الوطني وحركة التحرير الإسلامي.
أما المسار الثاني فتمثل في الأحزاب الأيديولوجية، مثل جماعة الإخوان المسلمين والحركة الشيوعية والتيارات القومية.

وقد نشأت هذه التنظيمات عبر الطلاب السودانيين الدارسين في مصر الذين انخرطوا في الأحزاب المصرية واكتسبوا خبرات سياسية واسعة.
ومن تلك التجارب برزت شخصيات سياسية مؤثرة، من بينها الصادق عبد الله عبد الماجد، ومصطفى طالب الله، وعبد الخالق محجوب، والتجاني الطيب، وعزالدين علي عامر، وأحمد زين العابدين، وعبد الماجد أبو حسبو وغيرهم.

 

عندما عاد هؤلاء إلى السودان كانوا قد اكتسبوا خبرة واسعة في العمل السياسي، خاصة أن مصر كانت تحكم بدستور 1923م الذي أتاح هامشاً واسعاً من الحريات والعمل الحزبي، ثم جاء قانون 1936م الذي أثار اعتراض النخب السودانية.
محدودية التعليم واتساع رقعة الأمية جعلا الجماهير ترتبط برموز الأحزاب السياسية. فالمعلومات كانت شحيحة، وكانت المؤسسات التعليمية تمثل بؤر الوعي الأساسية في المجتمع، إلى جانب النقابات العمالية الناشئة في ذلك الوقت.

لذلك لعبت الكارزما السياسية دوراً كبيراً في العملية السياسية. ومع توسع المؤسسات التعليمية في الخمسينيات والستينيات، تركز النشاط السياسي داخل الجامعات والمعاهد من خلال نشاط الطلاب في أركان النقاش.

غير أن الأحزاب تعرضت لاحقاً لقيود متتالية بسبب الانقلابات العسكرية، بدءاً بانقلاب 1958م، ثم انقلاب مايو عام 1969م، وأخيراً انقلاب عام 1989م، وهي أحداث أضعفت المؤسسات الحزبية بشكل كبير.

في ثورة أكتوبر 1964م لعبت الأحزاب دوراً مهماً في تعبئة الجماهير، واستطاعت تحريك قواعدها للمشاركة في الثورة. لكن بعد انقلاب 1969م اختارت الأحزاب العمل العسكري لإسقاط نظام مايو وأهملت العمل السياسي الجماهيري.

وعندما وقعت المصالحة مع نميري، انخرطت بعض الأحزاب في تنظيم الاتحاد الاشتراكي، ما أدى إلى تراجع دور الكارزما السياسية. وفي المقابل برز دور النقابات المهنية في قيادة التغيير السياسي.
قاد التجمع النقابي انتفاضة أبريل 1985م، كما قاد الحوار مع المجلس العسكري خلال الفترة الانتقالية.

وقد نجحت تلك الفترة وانتهت بإجراء الانتخابات العامة عام 1986م.

المصالحة الوطنية عام 1977م كانت أيضاً سبباً في إضعاف المؤسسات الحزبية، إذ انخرط حزب الأمة والحركة الإسلامية في الاتحاد الاشتراكي، كما تأثرت الحركة الطلابية وتراجع نشاطها السياسي.

جاءت انتفاضة أبريل محاولة لإحياء النشاط السياسي، رغم أن الوعي الشعبي في الشارع كان أكبر من الأحزاب نفسها. وعندما نفذت الجبهة الإسلامية انقلابها لاحقاً، فشلت الأحزاب في تنفيذ اتفاقها للدفاع عن الديمقراطية.

ويرجع ذلك إلى ضعف ارتباطها بالشارع، الأمر الذي دفع بعض الأحزاب إلى تفضيل العمل العسكري مرة أخرى، وإحياء تجربة الجبهة الوطنية التي نشأت بعد انقلاب 1969م، ثم لاحقاً تجربة التجمع الوطني الديمقراطي.

في تجربة الجبهة الوطنية كانت الأحزاب هي المرجع الأساسي للعمل العسكري، أما في التجمع الوطني الديمقراطي فقد أصبحت الحركة الشعبية محور العمل العسكري.

خلال هذه المرحلة تراجعت الأحزاب وغابت الكارزمات السياسية عن المشهد. فغاب محمد إبراهيم نقد، والدكتور حسن الترابي، والشريف زين العابدين الهندي.

وبقي محمد عثمان الميرغني في الساحة لكنه أصبح أقل فاعلية بسبب التقدم في العمر. أما الإمام الصادق المهدي فقد خسر عدداً من القيادات الفاعلة داخل حزبه.
وصعدت بدلاً عنها قيادات أقل خبرة في العمل السياسي، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد رحيل الصادق المهدي.

ضعف الأحزاب التقليدية وغياب الكارزمات السياسية فتح الباب أمام ظهور أحزاب جديدة، لكنها لا تملك قواعد اجتماعية عريضة يمكن أن تدعمها.

كما أن قياداتها حديثة العهد بالعمل السياسي، ولم تكتسب خبرة كافية في إدارة الصراع السياسي، إضافة إلى عجزها عن ترتيب أولوياتها السياسية.
كما خسرت هذه القوى صلتها بالشارع الذي كان يمثل عامل توازن في العملية السياسية.

في بداية المرحلة جمد حزب الأمة نشاطه داخل تحالف قوى الحرية والتغيير، بينما خرج الحزب الشيوعي من التحالف.

أما قوى نداء السودان فبقيت منشغلة باتفاقية جوبا، ولم تنظر إلى ما هو أبعد من حساباتها السياسية المباشرة.
نواصل..
ونسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.