جريمة مكتملة الأركان.. اتحاد الصحفيين السودانيين: المليشيا اغتالت 34 صحفياً
وصف اتحاد الصحفيين السودانيين، الدمار الذي تعرض له القطاع الإعلامي بواسطة مليشيا الدعم السريع “جريمة مكتملة الأركان”.
تهدف لتصفية الذاكرة الوطنية السودانية وإعدام المؤسسات الإعلامية التي تشكل المرجع الأساسي لتاريخ البلاد.
جاء ذلك في تقرير توثيقي شامل رفعه الإتحاد إلى الاتحاد الدولي للصحفيين في بروكسل، والأمانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب بالقاهرة.
بالإضافة إلى الاتحادات القارية والإقليمية النظيرة، والذي كشف فيه الهجمة الشرسة والمخطط التدميري الممنهج الذي قادته المليشيا ضد الإعلام السوداني.
وفي هذا الإطار، قال الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين، صلاح عمر الشيخ. إن “ما يتعرض له الإعلام السوداني ليس مجرد أضرار جانبية للحرب التي تستهدف الوجود السوداني. بل مخطط إجرامي مكتمل الأركان لتصفية الشاهد وإعدام الذاكرة الوطنية، ترعاه جهات ودول تستهدف تجريف الهوية وتغييب الحقيقة”.
وأضاف الشيخ، أن “الصحفي السوداني يقاتل اليوم بأقصر أدوات الحماية في مواجهة استهداف ممنهج ومباشر. ما يجعل مساندة اتحاد الصحفيين العرب والمجتمع الدولي واجباً أخلاقياً وحقوقياً لا يحتمل التأجيل، لإنقاذ الفرسان المتبقين. وإعادة بناء المنظومة الصحفية السودانية على قواعد حديثة وصلبة”.
وأكد التقرير التوثيقي عن (حرب تصفية الذاكرة السودانية والانتهاكات الممنهجة ضد الصحافة والإعلام في السودان).
أن الاستهداف لم يقتصر على التصفية الجسدية والاعتقال والتهجير القسري للكوادر الصحفية. لكن امتد ليشمل تجريفاً شبه كامل للبنية التحتية للإعلام الوطني ومحو أرشيفه التاريخي. في واحدة من أعقد وأخطر المحطات التي تشهدها الصحافة في تاريخ السودان الحديث.
وبلغت الحصيلة الإجمالية للانتهاكات الموثقة منذ اندلاع الحرب وحتى يوليو 2026، ارتقاء 34 صحفياً وصحفية، من بينهم 5 صحفيات.
استشهدوا جراء الاستهداف المباشر أو القصف أو الحصار. إلى جانب توثيق أكثر من 680 انتهاكاً جسيماً ضد الصحفيين والإعلاميين والعاملين في الوسائل الإعلامية.
شملت عمليات القتل والتصفية الجسدية والاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري.
فضلاً عن تدمير ونهب وتخريب أكثر من 60 مؤسسة إعلامية، ما أدى إلى خروج نحو 90 بالمئة من البنية التحتية للإعلام عن الخدمة تماماً.
وسلط التقرير الضوء، على تسلسل زمني تصاعدي للاستهداف المباشر، أبرز فيه المستجدات الخطيرة لشهر يوليو 2026 الجاري.
والتي تمثلت في صدور تهديدات علنية وصريحة من المليشيا المتمردة بالتصفية الجسدية لمراسلي صحيفة “دارفور 24”.
في تطور نوعي لتكميم المنصات التي تنقل وقائع الإقليم، بالتزامن مع استهداف مباشر وملاحقة ميدانية وإلكترونية لكوادر غرف الطوارئ الإعلامية والمبادرات الإنسانية.
واستمرار الإخفاء القسري والتدهور الصحي الحاد لمعتقلي الوسط الصحفي في معتقلات المليشيا بنيالا، مثل سجني “دقريس” و”كوريا”.
فضلاً عن احتجاز كادر نسائي كامل من إذاعة جنوب دارفور، دون توجيه تهم رسمية.
ووثق التقرير، محطات استهداف واستشهاد واختطاف واسعة النطاق. من بينها استشهاد مراسل إذاعتي بلادي وأم درمان الحسن فضل المولى موسى بمدينة النهود غرب كردفان في مايو 2025.
وتصفية الأستاذ تاج السر أحمد سليمان مدير وكالة السودان للأنباء بالفاشر داخل منزله، واعتقال المراسل التلفزيوني معمر إبراهيم والمصور إبراهيم جبريل بابو.
والإخفاء القسري لمدير إذاعة وتلفزيون الفاشر عصام محمد هارون، ومدير إذاعة وتلفزيون وسط دارفور مصطفى فضل المولى.
فضلاً عن اغتيال وتصفية الصحفيات حنان آدم وحليمة إدريس سليم والصحفيين معتز محمود وخالد بلل. في مقابل تسجيل نجاة الإعلامي جار النبي حسن الحاج مراسل القناة الزرقاء من الأسر بمدينة الفاشر ووصوله سالماً إلى أم درمان.
وفي جانب تدمير مقومات الإعلام وتقنياته، وصف التقرير التخريب الذي طال مقر الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. ووكالة السودان للأنباء ومقرات الإذاعات الرسمية والخاصة، “جريمة مكتملة الأركان”.
خيث شملت العمليات سرقة عربة تلفزة حديثة بنظام “HD” تقدر قيمتها بمليون دولار ورصدت لاحقاً في إحدى دول الجوار.
ونهب 3 عربات بث فضائي متنقلة وأجهزة إرسال حديثة وكاميرات درون وشاشات ضخمة، إلى جانب سرقة وتدمير الأقراص الصلبة.
التي تحوي الأرشيف الرقمي التاريخي للإذاعة والتلفزيون، وحرق غرفة التحكم الرئيسية بالإذاعة بخسائر قدرت بـ 700 ألف يورو.
وحرق محطة الإرسال الإذاعي المركزي بأم درمان التي كانت تخدم 34 إذاعة، فضلاً عن تدمير المحطات الأرضية للبث.
وسرقة أو حرق 30 مركبة تابعة لهيئة البث الإذاعي والتلفزيوني.
وأشار التقرير، إلى أن تدمير المطابع، أدى ولأول مرة منذ العام 1903، إلى توقف الصحافة الورقية تماماً في السودان.
وحرمان مئات الصحفيين من العمل، ورغم لجوء صحف عدة مثل “الكرامة”، و”أصداء”، و”العودة”، و”ألوان” وغيرها إلى النشر الرقمي بصيغة “PDF”. عبر مجموعات التواصل الاجتماعي لتجاوز توقف المطابع. إلا أن التجربة واجهت عقبات هيكلية جراء غياب الفهرسة وضياع المحتوى في ركام الدردشات.
بالتزامن مع بروز مئات المواقع الهشة تقنياً وفنياً، ما جعل الرواية الوطنية تواجه خطر الاختفاء في تابوت رقمي يعوق وصول مراكز الرصد الدولية إليها.
وأوضح الاتحاد في تقريره، أن الانتهاكات تتبع نمطاً معتمداً يهدف إلى فرض إظلام معلوماتي وتعتيم شامل.
عبر القطع التعمد لشبكات الاتصالات والإنترنت الفضائي والأرضي في 7 ولايات تضم ملايين البشر.
لا سيما في دارفور وكردفان وأطراف ولاية النيل الأزرق، لعزل المدنيين وتسهيل ارتكاب الجرائم بعيداً عن الرصد الدولي.
كما فعلت في ولاية الجزيرة من قبل، بالتزامن مع ممارسة العنف النوعي ضد الصحفيات، وإدارة مطابخ إلكترونية لبث حملات التخوين والتحريض.
واتباع سياسة الإفقار والتجويع الممنهج التي دفعت مئات الصحفيين للنزوح الداخلي أو اللجوء لدول الجوار مثل مصر وأوغندا. في ظروف معيشية بالغة القسوة.
واختتم اتحاد الصحفيين السودانيين تقريره، برفع توصيات عاجلة لاتحاد الصحفيين العرب والهيئات الدولية. تضمنت تقديم دعم فني عاجل لمساعدة الصحافة السودانية على الانتقال لمنصات رقمية ذكية ومتطورة.
وتبني اتحاد الصحفيين العرب لبرامج وخطط تدريب وتأهيل حديثة ومكثفة لصالح الصحفيين السودانيين النازحين واللاجئين للتركيز على أدوات الإعلام الرقمي. والأمان التقني، وصحافة البيانات، وصحافة الذكاء الاصطناعي والهواتف لإعادة دمجهم وسوق العمل.
ودعم الخطط الفنية لدمج المنصات والمواقع الضعيفة في تكتلات صحفية كبرى محمية تقنياً يوفر مئات فرص العمل،.
وإنشاء صندوق إعانة طارئ بآليات محوكمة لدعم الصحفيين النازحين واللاجئين وتوفير فرص العودة الطوعية للمناطق الآمنة.
وشدد التقرير في خلاصته، على أن ما تقوم به مليشيا الدعم السريع، ترعاه دول مجرمة.
ويرتقي قانونياً إلى جرائم حرب وجريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية. داعياً المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لتحرك عاجل لملاحقة الجناة وإدراج المليشيا ضمن القوائم السوداء لمنتهكي حرية الصحافة وحقوق الإنسان.
