د.عبد الماجد هارون يكتب: ​من أين يبدأ التعافي الوطني؟

0 2

(كلام من اتجاه واحد) ​بقلم: د. عبدالماجد هارون عبدالماجد
​عندما تعصف بالأمم أزماتها المركبة، وتصل إلى خطوط التماس الحرجة، لا يعود الخلاف مجرد مناكفة سياسية حول إدارة الدولة أو اقتسام السلطة، بل يتعداه ليمس مبدأ البقاء ومفهوم العقد الاجتماعي ذاته. وفي تلك اللحظات التاريخية الفاصلة، يُطرح السؤال الجوهري الذي تتوقف عليه مصائر الكيانات الوطنية: من أين يبدأ التعافي الوطني؟.

هل يبدأ بفرش المواثيق على طاولات المفاوضات وتوقيع الاتفاقات بين النخب والقادة، ثم إنزالها تسليما إلى قواعد الشارع؟ أم أن مبدأ البقاء واستعادة الدولة ينبثقان من عمق آخر، من رصيد غير مدوّن يترسخ في وجدان الناس، ينبع من قواسم الحياة المشتركة، والقيم الجامعة التي تُبقي المجتمع متماسكا حين تعصف به أعتى العواصف؟.

​لإنتاج رؤية تحليله واعية بالتعافي، لا بد أولا من استبانة طبيعة الأزمات الناجمة عن الاختلافات البينية بين المكونات المجتمعية والسياسية، إذ إن هذه الخلافات لا تنشأ دفعة واحدة، بل تتخلق وتتطور عبر ثلاث طبقات متداخلة.

تبدأ الطبقة الأولى كأزمة شرعية ومؤسسات على مستوى النخبة، حيث يعجز الفاعلون السياسيون عن صياغة توافق إجرائي ودستوري يحمي مؤسسات الدولة من الفراغ والانكشاف. ثم تنزاح إلى الطبقة الثانية المتمثلة في أزمة الهوية والافتراق المجتمعي على مستوى القاعدة، وهنا يكمن الخطر الأكبر إذ يتتحول الصراع من تدافع سياسي سليم بين برامج ومؤشرات، إلى صراع وجودي بين مكونات مجتمعية أولية، فيغدو الشريك في الوطن مهددا للوجود.

وتصل الأزمة ذروتها في الطبقة الثالثة الكامنة في الاستقطاب الشامل، حيث يتآكل العقد الاجتماعي كليا، وتُستبدل دولة القانون بشرعيات موازية وسلاح منفلت، مما يضع الكيان الوطني بأكمله أمام مخاطر التفكك والارتهان الخارجي.

​إن المسار الديناميكي لعمق الأزمات الوطنية يوضح كيف يتحول الانسداد السياسي لدى الطبقة الحاكمة والنخب إلى شحن وتجييش للخزانات المجتمعية؛ بهدف تعويض الفراغ في الوزن السياسي. ومع تآكل الثقة البينية وتغليب موازين القوى على موازين القيم، يغدو الجسد الوطني مكشوفا أمام تقاطع الداخلي بالخارجي، ليتأرجح الوطن بين الاستقواء بالخارج والتحارب بالداخل.

غير أن المحطة الحاسمة في حياة الأمم تعود لتتمظهر حين تصل الأزمة إلى ما يُعرف بالجمود الكارثي المتكافئ وهي لحظة الوعي الشامل بنقطة الانعطاف، حيث يدرك الجميع مجتمعا ونخبا أن استمرار الصراع وفق هذه الآليات المزدوجة يعادل الفناء المتبادل، وأن كلفة استمرار الشقاق تجاوزت بأضعاف مضاعفة كلفة التوافق والتنازل الوطني.

​هنا يتبدى الفرق المفهومي الناجز بين نمطين من التوافق، فالتوافق السياسي مهما بدا برّاقا ومحفوفا بالرعايات الدولية أو الإقليمية هو في جوهره (اتفاق على السلطة) وتوزيع للمواقع والمنافع بين أطراف محدودة، يُحكم غالبا بموازين القوى الحالية لا بميزان القيم الراسخة.

إنه ثمرة تفاوض قد يحقق هدنة مؤقتة، لكنه يظل سريع الانحلال كلما تغيرت الموازين أو تبددت المصالح، لأنه لم يمتد إلى الطبقات العميقة في الجسم الوطني.

أما التوافق المجتمعي، فهو التوافق الأعمق والأبقى، إذ إنه ليس إجابة عن سؤال (من يحكم؟) بل عن سؤال (كيف نعيش معا؟). هو الوعاء الأخلاقي والقيمي الذي يحتوي الجميع وقت المحن، والقاسم المشترك الذي لا يلغيه اختلاف سياسي ولا يزول بتبدل الحكام.

​تتجلى الأولوية هنا بلا لبس في التوافق المجتمعي الذي هو الأصل والمبتدأ، والتوافق السياسي هو الفرع والثمرة. فلا يمكن لاتفاق سياسي أن يكتب له الاستمرار أو يمنح أي سلطة شرعية حقيقية، ما لم يكن مستندا إلى قاعدة مجتمعية عريضة تُؤمن بالكرامة الوطنية، والعدالة الملموسة، وحرمة الدم، وحصرية السلاح بيد المؤسسة الوطنية الشرعية الجامعة.

إن فرض التوافق السياسي فوق مجتمع ممزق يفتقد قواعد عيشه المشترك، هو محاولة بائسة لبناء البيت بدءا من السقف وما ينبثق عن ذلك إلا هياكل هشّة تنهار مع أول هبة رياح. فالسياسة لا تصنع الوحدة الوطنية بل هي تعبير عنها، والاتفاق بين القادة لا يخلق الثقة في الشارع بل هو ثمرة لهذه الثقة حين تتأسس في الأرض.

​إن التعافي الوطني الحقيقي لا يبدأ بعهود تُوقع امام الكاميرات ثم تُنسى، بل ببرهنة عملية على وجود رباط حيّ يجمع أبناء الوطن الواحد. حد أدنى من الوعي والتوافق على أننا معا في هذا المصير، وأن مصلحة الجميع تقتضي احترام الجميع والعمل معا صونا للذات الوطنية. وحين يُرسى هذا الأساس المجتمعي الصلب، يصبح أي ترتيب سياسي بعده أمرا ممكنا، ومستداما، وقادرا على حماية الوطن وإعادة بناء أركانه.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق