زين العابدين صالح يكتب: كيف الخروج من عنق الزجاجة

2

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
أعتبر بعض الذين تواصلوا معي عبر الواتساب وأخرين فضلوا الاتصال والحوار على المقال الأخير.

الذي كتبته بعنوان “شباب السودان الفكرة والتغيير” باعتبار أنني أدعو إلي شمولية من خلال الدعوة لحزب واحد يؤسسه الشباب ويخوضوا به معاركهم السياسية.

وهناك من يعتقد أنني قد بالغت عندما وصفت الإرث السياسي بالفشل، وهناك قيادات سياسية لها أراء لا توصم بالفشل.

اقدم أحترامي لهم جميعا، فالحوار هو مسار جيد لخلق الوعي الجديد، وليس هناك من يملك الحقيقة لوحده، أو من يحاول فرض أراء على الآخرين.

لذلك دائما أكرر أن الأفكار هي التي تفتح مسارات التغيير في المجتمع..

مقال “شباب السودان الفكرة والتغيير” لا يدعو إلي شمولية تؤسس من قبل حزب واحد للشباب.. ولكن تاريخ السودان بعد الاستقلال يبين أن الأحزاب السياسية فشلت في عملية التحول الديمقراطية.

وفشلت في انجاز نهضة زراعية وصناعية وحتى تجارية في البلاد، وأيضا فشلت في تأسيس المؤسسات التي تساعد على ذلك في التعليم في الصحة في الطاقة في جميع الخدمات.

وفشلت في ان تحافظ على نظمها الديمقراطية، لآن الأحزاب نفسها لعبت دورا كبيرا في تحريض المؤسسة العسكرية على الانقلابات في 1958 و 1969 و 1989و 2021 كلها شاركت فيها القوى الحزبية.

تاريخيا ينجز الشباب اسقاط النظم الشمولية، وتقدم السلطة للأحزاب على طبق من ذهب، ويفشلوا في الحفاظ عليها وهذا يعني فشلهم في إدارة الصراع السياسي.

ومادام الشباب قادرين على إدارة العملية السياسية والنضال حتى اسقاط النظم الشمولية، يجب أن يقع عليهم عبء تحمل مسئولية السلطة والتحول الديمقراطي في المجتمع.

وهي أفكار حدثت في العديد من الدول في العالم، خاصة دول أوروبا الشرقية، حيث قاد الشباب ثورات “الرايات الملونة”.

وبعد التحول قادوا عملية ترسيخ النظام الديمقراطي من خلال نشر وعي جديد وطرق جديدة في التفكير كل في بلده.

وأيضا الشباب حملوا باراك أوباما لرئاسة أمريكا دورتين، والآن لهم أثر كبير في نجاح دونالد ترامب من خلال شعار “أمريكا أولا”.

وربما يكون لحركة الشباب بقوة بعيدا عن أسوار الأحزاب، ربما تكون هي المادة المنشطة التي تدفع بالأحزاب لإحداث تغييرات وتحديث في مؤسساتها.

نجد أن هناك فارقا كبيرا بين شعارات ديمقراطية مرفوعة، ويراد تنزيلها على الواقع، وأحزاب سياسية مغرق في الشمولية.

لا يمكن لقيادات تكرس الشمولية داخل أحزبها وترفض عمليات التغيير داخل مؤسساتها الحزبية، وفي نفس الوقت تقود عملية ديمقراطية في البلاد.

هذا التناقض الكبير بين الشعارات والأفعال السياسية غير محفزة للنجاح.. قيادات مكثت في القيادة لعشرات السنين كيف تقنع الآخرين بالديمقراطية.

هؤلاء يجب أن يقنعوا أنفسهم في الأول بضرورة الديمقراطية.. ويفسحوا المجال لقيادات جديدة ثم بعد ذلك يقنعوا الآخرين بضرورة الديمقراطية.

القضية الأخرى: إذا كان هناك قائدا سياسيا يقدم أفكار، وفشل حزبه في الاستفادة من هذه الأفكار.

أن الفشل محسوب على القيادات التي فشلت في توظيف الأفكار وليس المنتج لها، ولكن يسمى فشل، لآن الحساب يؤسس على الفعل ونتائجه، والنتيجة الآخيرة لتجارب الأحزاب هي الفشل بعد كل ثورة وانتفاضة.

أن الأحزاب المطروحة في الساحة السياسية ألان نتيجة ادائها هي الحرب الدائر الآن والتي تدمر في البلاد.

وبالتالي إعادتها إلي السلطة تعني إصرار على إنتاج الفشل مرة أخرى.. وكل التجارب التي مرت وإجهضت عملية التغيير، فشلت الأحزاب أن تقدم عنها نقدا حتى يتم تدارك الأخطاء مرة أخرى.

وكتب السيد الصادق عن تجربة الديمقراطية الثالثة “1985 – 1989” كتابا بعنوان “الديمقراطية عائدة وراجحة” لكن للأسف كتبه بالمنهج التبريري وليس المنهج النقدي لكي يبين أسباب الفشل والعوامل التي تقود للانقلابات..

المرء المتابع لمسار إنتاج القيادات السياسية المعرفي، يجد أن كتاباتهم أغلبيتها “مذكرات” يحاولون من خلالها تبيان مسار تاريخهم السياسي والتحديات التي واجهتهم.

وجميع المذكرات خرجت باسمائهم ولم تخرج باسماء أحزابهم، لذلك الأحزاب فقيرة في إنتاجها الفكري والمعرفي والثقافي.

وهناك أحزاب لا تقبل أن يقدم أعضائها أطروحات فكرية ونقد للمرجعيات الفكرية للأحزاب، وخاصة في الأحزاب الأيديولوجية يمينا ويسارا.

لذلك البلاد لكي تنهض تحتاج إلي أفكار جديدة وطرق تفكير جديدة تتجاوز موروث الفشل في الماضي.

وكما قال الدكتور عبد الرحمن الأمين القيادي في حزب الأمة لقناة “الجزيرة مباشر” أن القيادات السياسية التي كانت قبل الحرب جميعها غير مفيدة في مستقبل العمل السياسي في البلاد.

البلاد في حاجة إلي قيادات سياسية جديدة لها طرق تفكير جديدة تؤهلها أن تحدث تغييرا وتحديثا في المؤسسات الحزبية، وأيضا لها قدرة على تقديم مشاريع سياسية تطرحها للحوار لكي تنقل الناس لعتبات ومربعات جديدة.

استمعت للندوة التي أقامها “التيار الوطن” و التي كانت بعنوان “السودان بين الآلام والأمال”.

الملاحظ في الندوة أن المتحدثين فيها استطاعوا أن ينزلوا كثير من حمولات الإرث الثقافي السياسي الذي يعيق أية حوار بين التيارات المختلفة.

واستطاعوا أن يقدموا أطروحات جديدة بهدف البحث عن أنجع الطرق للخروج من الحرب، والأزمات التي تعقد المسير.

فالشخص إذا استطاع الخروج من دائرة المصالح الذاتية إلي المصلحة الوطنية يستطيع أن يفكر بعقلانية.

لآن المصلحة تجعل الشخص غير محكوم بالدائرة الصغيرة المرتبط بها، ونجد أن الدائرة الأكثر اتساعا توسع دائرة الخيال والرؤية.

وفي نفس الوقت يتأكد الشخص انه ليس وحده مصدر للحقيقة، أنما هو يشارك أخرين في البحث عنها.
نواصل.. نسأل الله حسن البصيرة.
زين العابدين صالح عبدالرحمن

Comments are closed.