زين العابدين صالح يكتب: عندما تكسو الأكاذيب اللغة في السياسة

0 37

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
هذا العنوان استلفته من مقال بعنوان “السياسة واللغة” للكاتب البريطاني جورج أورويل، حيث قال: (إن السياسيين يثيرون الدهماء من خلال انتهاكهم للغة.. وتجد أكاذيبهم دائمًا تلطخ أثواب الصدق، فتنحرف المعاني عن مقاصدها التي تحملها ذات اللغة).

إذا استطاعت النخب السياسية أن تظهر رغائبها الحقيقية في العمل السياسي، تكون قد قطعت نصف الطريق لحل أية مشكلة، ولكن إخفاء المقاصد يعد سببًا أساسيًا في توالد الأزمات في السودان، وعبر كل مراحل النظم التي حكمت البلاد.
الملاحظ إن المواقف السياسية لا تبنى على الأهداف الحقيقية، لذلك تجد أغلبية الخطابات يستخدم فيها التورية، وهي حمالة أوجه، وهذا يعود لأن تراكم الثقافة الشمولية السائدة بسبب طول أنظمة حكمها في البلاد..

حيث جعلت التورية بديلًا للشفافية، للنخب السياسية خطابها معنيين: واحد قريب يغطى المعنى البعيد “أي المقصود”، لذلك تجد إن أغلبية النخب في الأحزاب، وحتى بيانات بعض الأحزاب تستلف لسان الشعب، والهدف المقصود هو الترويج.. وهناك المعنى الظاهر والآخر الذي احتاج للتورية، فصاحب الخطاب إذا كان شخصًا أو حزبًا، هو الذي سوف يكشف عن المقصد، إذا اعتقد إن حديثه قد وجد آذانًا صاغية وترحيبًا، أما إذا لم يجد التأييد يأخذ المعنى غير المقصود.

أيدت حوار الداخل ليس من اليوم، منذ حدوث الخلاف داخل الفترة الانتقالية، وأرجعت ذلك لعدم تشكيل “المجلس التشريعي”، لأن تشكيل المجلس التشريعي كان حسم قضايا كثيرة كان عليها خلاف، وكان تمسك بحرفية الوثيقة الدستورية.. المجلس التشريعي كان نقل الصراع السياسي داخل المجلس، ولكن الكل تهرب من تشكيل المجلس حتى لا يكونوا تحت المساءلة والاستجواب.. وكانوا يريدون مد الفترة الانتقالية لأطول فترة ممكنة.. ونسوا أن الصراع بينهم لا يملك مرجعية يتم احترامها من قبل الجميع، فكل جانب يحاول حسم الصراع لنفسه، وكان الشارع بعيدًا عن الكل.. حتى جاءت الحرب وكان لابد أن تغير المعادلات.

هذا الصراع الذي أدى إلى الحرب خلق تيارين، الأول مؤيد للجيش ويريده مواصلة القتال حتى النصر أو استسلام الميليشيا.. والهدف هو إبعاد الميليشيا وعدم عودتها مرة أخرى للعمل العسكري والسياسي.. هذا الإبعاد سوف يحدث تغييرات جوهرية في الأجندة السياسية المطروحة في الساحة.. التيار الثاني يريد بقاء الميليشيا وفتح باب التفاوض بينها والجيش، هي الفرصة التي تعود بالساحة السياسية للأجندة التي كانت قبل الحرب.. ولا أعتقد هناك منطقة وسطى يمكن الرهان عليها.

أي حوار سياسي في ظل الحرب، يحتاج إلى قوة تحرس هذا الحوار، وتعمل على إنجاز النتائج التي وصل إليها، فالفريق الأول يراهن على قوة الجيش، لذلك لا يتردد في تأييده، وحسّ الحرب بالانتصار.. الفريق الثاني يعتمد على المجتمع الخارجي وتأييده، ودفعه إلى حظر الطيران في كل السودان وفتح منافذ للإغاثة، وهو صراع ينقل القضية السودان إلى اختبار مسألة التحالفات الاستراتيجية والاستفادة من الصراع الدائر بين الأقطاب.

قضية المهمة هي قضية الحوار، كنت أعتقد إن الحوار السوداني السوداني لا تؤثر عليه ظلال الخارج والتلويحات باستخدام المنظمات، من أجل ممارسة الضغط.. والخارج مهما وقف في جانب، لكنه في النهاية ينحاز إلى الجانب الذي يعتقد سوف يحقق له أجندته.. لأن الخارج لا يتدخل في أية صراع إلا حماية لمصالحه..

وأكبر دليل على ذلك الانقلاب الذي حدث قبل أيام في النيجر، والذي حسم بسرعة، لأنه اصطدم بمصالح الدول الكبرى وحدث تدخل مباشر.

لجنة الحوار التي عقدت مؤتمرها في الخرطوم، كان من المفترض أن تبحث عن عنصر الشباب من الجنسين، وتحول الحوار من حوار نخب مأزومة إلى حوار شعبي.. حيث تتوزع اللجنة إلى مجموعات وتطوف على الولايات، وتعقد حوارات مع الناس في المحليات وحتى في الأحياء، لكي تصبح هناك رؤية شعبية لقضية الحرب والحكم، أما أن تظل قلة من النخب داخل وخارج السودان هؤلاء هم الذين يحددون مصير البلاد، وهم جزء من الأزمة المتواصلة..

ودائمًا بعد الانتفاضات والثورات تسيطر النخب السياسية على إدارة العملية وتفشل، وتعود البلاد مرة أخرى إلى الحكم الشمولي، ويرجعوا للشعب مرة أخرى لكي يقدم التضحيات لكي تسيطر وتحكم قلة دون رقيب أو مساءلة، الآن؛ أفضل أن يكون التعامل مع الشعب بشكل مباشر، وحثهم لكي يقدموا آرائهم في كل القضايا الموضوعة في الأجندة.. إن التحول الديمقراطي يؤسس على الوعي الجمعي، وليس على قلة من النخب تنظر لمصالحها قبل مصالح الوطن والمواطنين..

إن الديمقراطية ممارسة وأفكار تقدم بهدف التغيير، وسلوك ديمقراطي يؤسس على الآراء واحترام الرأي الآخر، واحترام للقوانين، وجهاز عدلي متكامل، ومؤسسة تراقب الفعل التنفيذي وتحترم من قبل الجميع.. وليس شعارات ترفع لتغطية أجندة غير معروفة.. الديمقراطية هي حل أزمة السودان، لكن بعيدًا عن تدخل النفوذ الخارجي. وخطاب الوصاية الذي درج عليه.. النفوذ الخارجي لا يتدخل إلا لتنفيذ أجندته التي لا تتلاءم مع مصالح البلاد.. نسأل الله حسن البصيرة..

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق