فكرة إبراهيم البدوي بين الحلم والواقع
كتب الدكتور إبراهيم أحمد البدوي الذي كان قد تسلم حقبة وزارة المالية في حكومة حمدوك الأولى، مقالات في صحيفة “سودانيل الألكترونية” تناولت عدة موضوعات وأن كان التركيز على فكرة الاقتصاد.
بدأ مقالاته بمقال معنون “نحو مشروع وطني سوداني ثلاثي الأبعاد من أجل السلام والانتقال المدني الديموقراطي النهضوي: ثانياً، إنهاء الحرب وبناء السلام المدني الديموقراطي”.
وبقية المقالات تعتمد في أنجاز الفكرة على أن تكون هناك قوى مدنية عريضة، يقع عليها أنجاز المشروع.. والدعم الخارجي يشكل حجر الزاوية في أطروحة البدوي .
حيث يقول في مقاله الافتتاحي لبقية المقالات الأخرى (كي يكتسب الدعم الخارجي الشرعية الكافية، وبالتالي الفعالية المطلوبة، يجب أن يكون ممتلكاً وموجهاً من قبل جبهة مدنية ديمقراطية عريضة القاعدة، لا تستثنى أحداً يؤمن بخيار الشعب في الحرية والسلام والعدالة ومرجعية ثورة ديسمبر المجيدة، تستهدي بعقد اجتماعي متين يشمل بعدى السياسة والاقتصاد وبناء توافق عريض حوله عبر سردية وطنية).
وكما جاء في عنوان المقال أن الفكرة تقوم على إبعاد ثلاثية موضحة في العنوان المذكور أعلاه، في البدء قبل الدخول في محاورة الفكرة.. أشكر الدكتور البدوي على الإسهام من خلال تقديم دراسة أقتصادية سياسية مفصلة.
مما يؤكد أن البدوي يريد أن ينقل الحوار الدائر في الساحة السياسية والقروبات التي تمثل تكتلات انتمائة مختلفة، من الجدل القائم على شعارات فارغة المضامين.
إلي حوار فكري منتج يسهم في دفع الآخرين لكي يقدموا أيضا تصورات أخرى تتخذ من الفكر قاعدة لها… وهي تعتبر محاولة جيدة، و لكنها في ذات الوقت تواجه تحديات كبيرة.
أولها أن الفكرة تحتاج أن تكون هناك “جبهة مدنية ديمقراطية عريضة القاعدة” ورغم أن البدوي مشروعه قائم على فكرة، ويجب أن تؤسس الفكرة على افتراضات واقعية، أي مبنية على حقائق الواقع وليس الحلم.
فالجبهة المدنية العريضة غض النظر عن التوصيف “ديمقراطية أو غير ديمقراطية” هي شعار مرفوع من قبل ثلاث تيارات سياسية من قبل الحرب و بعد اندلاعها، ولكنهم فشلوا في تأسيسها.
نادت تقدم بتشكيل جبهة مدنية عريضة، ولم تزيد عضويتها عن الذين حضروا مؤتمر تأسيسها، الحزب الشيوعي دعا إلي جبهة مدنية عريضة سماها “تحالف الجذرية” و لم يجد غير لافتات الواجهات التي يعمل من خلالها.
حزب البعث أيضا بعد خروجه من “الإتفاق الآطاري” ظل ينادي بتحالف القوى المدنية، ولم يجد من يتحالف معه..السؤال لماذا فشلت هذه القوى السياسية الوصول إلي مبتغاها في التحالف المدني..؟.
لا أريد أن أغرق في تفاصيل الدراسة، واقف عند قاعدة “خلق قاعدة مدنية ديمقراطية عريضة” باعتبار هي المناط بها أن تتبنى الفكرة وتعمل على تطبيقها.. معلوم أي تحالف يؤسس على مشروع سياسي متفق عليه..
وأي مشروع سياسي تحالفي “يؤسس على المصلحة” إذا كانت مصلحة وطنية أو حزبية أو فردية.. المشكلة الأساسية في العمل السياسي في السودان أنهم جميعا يتعاملون ب “التقية” لا يظهرون ما يبطنون.
يرفعون شعارات لمصالح وطنية ولكن المقصود هو تحقيق مصالح حزبية وفردية، وهذه “التقية” لا تساعد على الوصول إلي تفاهمات عبر حوارات مفتوحة.
ودائما الشعارات تتكشف حقيقتها في التطبيق… عندما تم توقيع الوثيقة الدستورية بين المكون المدني “قوى الحرية والتغيير” والمكون العسكري.
إذا كانت القيادات السياسية مؤمنة بشعار التحول الديمقراطي كانت شرعت في تكوين المجلس التشريعي قبل مجلسي الوزراء والسيادي لماذا؟.
أولا لآن التحول الديمقراطي يعتمد على تشريع القوانيين المطلوبة وإلقاء القوانين المقيدة للحريات.
ثانيا سوف يتحول الصراع السياسي من الفضاء العام إلي المجلس التشريعي، سوف تلغى الحاضنة السياسية ولن يكون هناك وصي على السياسة.
ثالثا لآن المجلس التشريعي هو الجهة التي تراقب وتحاسب أعمال المجلسين الوزراء والسيادة وهو الذي يدرس ميزانية الدولة وبنود صرفها ويجيزها.
أنت يا دكتور البدوي كنت وزيرا للمالية من قبل، ومن الذي كان يحاسبك؟ سوف تقول مجلسي الوزراء والسيادة.
اليست هي مؤسسات تنفيذية خاضعة للمحاسبة؟ لذلك يا دكتور البدوي هناك فارق كبير جدا بين الفكرة المبنية على الحلم وبين الفكرة الخاضعة لمعطيات الواقع.
معلوم أية دراسة سياسية لكي تنجح لابد أن تقوم بدراسة الواقع، ومعرفة الميكنزمات الفاعلة فيه، وأيضا المؤثرة في الشارع.
السياسة لا تؤسس على افتراضات بعيدة عن الواقع لأنها سوف تقود إلي نتائج خاطئة.. مثلا البدوي بعد حديثه عن التحالف المدني.. قال الرجوع لمرجعية ثورة ديسمبر.
ما هي مرجعية الثورة؟ ليس هناك ثورة من الشارع لها مرجعية غير هدف واحد تركز في شعار “تسقط بس” ونجح الشارع.
أما شعار “حرية سلام و عدالة” الشيوعيون قالوا هذا شعار مؤتمرهم السادس.. المعلوم في العالم عندها شعار واحد.
بقية الشعارات هي حزبية تدسها في التظاهرات.. وعندما تقول الحقائق تجد البعض يقول أنت ضد القوى المدنية أنت تحابي العسكر.
رغم أن الممارسات وإدارة الصراع بينت ضعف الأحزاب السياسية.. وقال بذلك بروف عطا البطحاني في كتابه بعنوان “إشكالية الانتقال السياسي في السودان”.
عندما تكون الأحزاب ضعيفة تضعف فيها المنافسة تصعد للقيادة عناصر متواضعة القدرات.. يصبح هم هؤلاء الحفاظ على مواقعهم في القيادات وليس توير وفاعلية الحزب.
الأمر الذي يؤدي إلي مغادرة العناصر الفاعلة والتي تشتغل بالفكر ساحة الحزب، ويصبح انتاجها الفكري خارج الأحزاب.
فالدكتور البدوي أمام خيارين، أن يقدم فكرته كمشروع وطني للكل دون وضع شروط ،أو ينتظر أن يقدمه لحزبه كمشروع سياسي انتخابي.
وفكرته من أجل الحوار لا تجد طريقها لآن النخب نفسها واقعة في دوائر استقطاب مغلقة لا تستطيع أن تحرر من قبضتها.. نسأل الله حسن البصيرة.
بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن

Comments are closed.