لماذا تعطّل المشروع التنويري في السودان؟

0 4

بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن
إذا رجعنا إلى دعاة النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر، أمثال جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وغيرهم، نجد أنهم تأثروا بالنهضة الأوروبية والتقدّم الحضاري، والحرية والديمقراطية كمسائل عامة تحدد مسار النهضة. وكان رفاعة الطهطاوي قد أحدث نقلة فكرية وسياسية عندما دعا إلى تحقيق الإصلاح والتغيير، من خلال دعوته لعدم الابتعاد عن السلطة، ودعوته لإحداث تغيير في المناهج التعليمية يساعد على البناء الفكري والعقلي للطالب، وهو ما سيؤدي إلى التغيير في مؤسسات الدولة مستقبلاً.

وعندما بُعث الدكتور طه حسين إلى فرنسا لنيل درجة الدكتوراه، تأثر بالنهضة الأوروبية، ولكنه لم يقف كما وقف دعاة النهضة الأوائل عند حالة الاندهاش، ولم يطالب بالإصلاح كما فعل الطهطاوي، إنما بدأ بفكرة “المشروع التنويري والنهضوي” الذي يؤسس على منهج الشك الديكارتي، باعتبار أن الشك دافع من أجل معرفة الحقيقة. ومعلوم أنه كان يريد أن يهدم التراث الديني باعتباره مسلمات لا تقبل الجدل، وكان لا بد من تجريده من القداسة حتى يُفتح باب الاجتهاد من جديد، وذلك من خلال اعتماد المنهج النقدي وربط النهضة بإصلاح التعليم.

وفي نقلة أخرى لمشروع الإصلاح والنهضة، نجد أن الجابري تبنى رؤية الدكتور طه حسين التنويرية، إلا أن الجابري ركّز في مشروعه على نقد “العقل العربي” ثم “تكوين العقل العربي” باعتبار أن المشروع فلسفي، ويهدف إلى تفكيك آليات التفكير في الثقافة العربية الإسلامية، لمعرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الجمود وتعطيل أدوات النهضة العربية. الغريب في الأمر أن هذه المشاريع الفكرية لم تؤثر في الحقل السياسي في المنطقة التي صدرت منها ولا في المتأثرين بها.

يقول برهان غليون في بحث له بعنوان “الديمقراطية وحقوق الإنسان العربي” نُشر في مجلة المستقبل: (ينبغي أن لا تبقى مسألة الديمقراطية محصورة كما هي عليه اليوم في الصراع العقيم بين نخبة معارضة لا تفكر إلا بسحب البساط من تحت أقدام الحكم لاحتلال موقعه، وحكومة ليس همها إلا دحر قوى المعارضة وتضييق الخناق عليها وتصفية مواقعها في المجتمع). وهذا هو بالفعل الفارق بين دعاة التنوير والإصلاح وإطلاق الفكرة العامة من أجل النهضة، ودعاة السياسة بهدف الوصول للسلطة بأي ثمن.

وإذا نظرنا لقضية التنوير والنهضة، نجد كتابة الدكتور وجدي كامل في مبحثه بعنوان “بين الثورة والوعي: علي عبد اللطيف ومعاوية محمد نور وأزمة استقبال الطليعة في السودان الحديث”، يريد وجدي أن يبين طريقين تنويريين في الوطنية ضد المستعمر، ولكنهما يختلفان في أدواتهما، فإن كليهما اشترك في سمة لافتة، هي تركيز نقده على الإدارة البريطانية بوصفها مركز السلطة الاستعمارية.

كتب وجدي كامل: (وإذا كانت ثورة 1924 قد دشنت مرحلة جديدة في الوعي السياسي السوداني، فإن الثلاثينيات شهدت انتقالاً موازياً إلى ميدان آخر، هو ميدان الوعي الثقافي الذي برز فيه معاوية محمد نور، لا بوصفه امتداداً سياسياً لعلي عبد اللطيف، وإنما بوصفه امتداداً معرفياً للمشروع الوطني الذي بدأت ملامحه تتشكل بعد الثورة).

لكن نجد في جانب آخر عبد العزيز حسين الصاوي في كتابه “الديمقراطية المستحيلة” يقول: (انبثقت إرهاصات عصر التنوير والعقلانية السودانية منذ عشرينيات القرن الماضي مرسيةً أولى لبنات البنية التحتية للديمقراطية كثقافة عامة وممارسات عملية، من خلال جمعيات القراءة في أبو روف ومجلة الفجر والجهد الفردي الشخصي لمعاوية محمد نور).

والصاوي يعتقد أن النظم الشمولية وطول بقائها في الحكم، أدت إلى تآكل في الرصيد الديمقراطي الذي استطاعت أن تراكمه التجربة السياسية منذ “نادي الخريجين والروابط الأدبية ومؤتمر الخريجين وغيره”. فالديمقراطية تحتاج إلى إعادة هذا الرصيد الديمقراطي من خلال الحوارات والممارسات حتى ينداح لتراكم الثقافة الشمولية.

وحاول الدكتور الشفيع خضر في منتصف عقد التسعينات أن يقدم أطروحة فكرية عبر بوابة الثقافة، عندما كتب ورقة بعنوان “الهوية الحضارية السودانية” يريد أن يؤكد فيها عملية التنوع الثقافي في السودان، وقال في إحدى فقراتها: (إن الحركة السياسية السودانية تعاني من أزمة عدم التفاعل والتفاهم فيما بينها على صعيد البرنامج والحوارات الفكرية.

وقصر هذا التفاعل على الإطار السياسي فقط المتعلق بمسألة السلطة، حيث ظل الحوار السياسي هو الطاغي باعتبار أن السياسي هو الحدث الساخن). الغريب في الأمر أن الشفيع وقف في حدود الإشارة للمشكلة دون التعمق بهدف كشف العوامل السالبة التي تقوض التجربة، لأن السياسة مؤثرة في الجميع.

وإذا نظرنا للتجربة الإسلامية في النقد، وخاصة نقد الأفكار، نجد هناك الدكتور التيجاني عبد القادر المتمسك بمرجعيته الفكرية وينطلق من ذات المرجعية في نقد الأفكار.

الدكتور التيجاني يفرق بين الممارسة كحقل اختبار للفكر وبين المرجعية التي تشكل القاعدة الأساسية للمنهج النقدي. لذلك يربط المفاهيم بالمجتمع والأخلاق بالسياسة، ولأنه يربط بين الوحي والواقع لذلك تجده أحد المؤسسين لـ “الحركة الوطنية للتغيير” بهدف إعادة البناء السياسي والثقافي على أسس جديدة.

وهناك المحبوب عبد السلام، وعندما كتب كتابه “الحركة الإسلامية السودانية: دائرة الضوء وخطوط الظلام” كان ينطلق من ذات القاعدة الفكرية التي تأسست على هديها منطلقاته الفكرية، لكن بعد ثورة ديسمبر حاول أن يجعل القاعدة نفسها تحت مجهر النقد.

لذلك تجده يحاول أن يُخضع “التجربة الإسلامية” إلى نقد جذري ينقل التجربة من الأيديولوجيا إلى آفاق الوطن والدولة الديمقراطية، في اعتقاد أن الحركة تحتاج إلى أفكار جديدة مستفيدة من التجارب العالمية.

إن حركة التنوير التي قامت بها “الفجر” في ثلاثينيات القرن الماضي قد أُجهضت، واستلمت منها الراية المدارس الفكرية الأدبية وأيضاً أُجهضت، وحتى التيارات الأيديولوجية يساراً ويميناً أصابها العقم في عملية التنوير.

لذلك تراجع المشروع التنويري في السودان، رغم أن الجميع يرفعون راية التحول الديمقراطي شعاراً، لكنه غير مسنود بأي عمل تنويري يصاحب التجربة. هذا الفقر في الإنتاج الفكري هو الذي أضعف العمل السياسي وأكبر سبب في إجهاض تجارب حركة الجماهير في التغيير السياسي.
نسأل الله حسن البصيرة.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق