مؤتمر الشرق.. بداية لفعل سياسي جديد
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
عُقد بمدينة كسلا قبل يومين مؤتمر عام توحيد أهل الشرق، بمبادرة من ناظر عموم قبائل الهدندوة، السيد محمد الأمين ترك، تحت شعار: «الوحدة تبني الأوطان، والوحدة خيارنا الأوحد».
وجاء المؤتمر برعاية والي ولاية كسلا اللواء (م) الصادق محمد الأزرق، وبمشاركة مفوضية السلام القومية برئاسة سليمان دبلو، كما خاطبت الجلسة الافتتاحية الدكتورة نوارة أبو محمد، عضو مجلس السيادة.
وقد قُدمت خلال المؤتمر عدة كلمات أكدت في مجملها تأييدها لما ورد في كلمة ناظر قبائل الهدندوة، صاحب مبادرة المؤتمر.
وقال الناظر محمد الأمين ترك إن المؤتمر جاء ردًا على ما وصفها بالمؤامرات الخارجية، وتأكيدًا لدعم شرق السودان للقوات المسلحة في معركة الكرامة.
وطالب بضرورة استشارة السودانيين قبل تقديم أي حلول دولية للأزمة، مؤكدًا أن الجماهير قادرة على إفشال محاولات تشويه المبادرات الوطنية. وأعلن أن المؤتمر سيقوم بتسليم وثيقة وحدة الشرق إلى القيادة في السودان.
من جانبه، أكد مني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور، دعمه الكامل لما ورد في كلمة الناظر ترك، مشددًا على أن موقفهم يقوم على شعار «شعب واحد.. جيش واحد».
وأضاف أن شكل الحكم وإرادة الدولة يجب أن يكونا قرارًا سودانيًا خالصًا يعبر عن تطلعات الشعب.
ولا يهدف المؤتمر العام لتوحيد أهل الشرق فقط إلى تحقيق وحدة الإقليم أو مواجهة العناصر التي تسعى لزعزعة الاستقرار، بل يحمل أبعادًا سياسية أوسع تتصل بمستقبل البلاد، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.
ويُنظر إليه كبداية لفتح نقاش حول تفويض رئيس مجلس السيادة لقيادة الفترة التأسيسية إلى حين قيام الانتخابات العامة.
ويُعزى الاهتمام بحسم هذه القضايا في وقت مبكر إلى الرغبة في تجنب الصراعات والمماحكات السياسية التي قد تعيق جهود البناء وإعادة الإعمار، إلى جانب إدماج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية، وفرض السلام والأمن في جميع ولايات السودان.
مؤتمر الشرق بداية سلسلة مؤتمرات أخرى
ويمثل مؤتمر الشرق بداية لسلسلة مؤتمرات أخرى، حيث يجري العمل حاليًا على الإعداد لمؤتمر أهل الجزيرة، بمشاركة قيادات الإدارات الأهلية والقوى السياسية وقيادات المقاومة الشعبية.
ويهدف المؤتمر المرتقب إلى توحيد رؤية أهل الجزيرة بشأن قضايا الأمن، وإعادة البناء، وتقديم الخدمات، وإنهاء الخلافات المتعلقة بمشروع الجزيرة، فضلًا عن حسم قضايا الفترة التأسيسية التي تلي الحرب.
وقد كشفت الحرب، وفق هذه الرؤية، أن توحيد الرؤى يمثل الطريق الأقرب لإنجاز المهام الوطنية، وأن المؤتمرات القاعدية المفتوحة، التي تشارك فيها قطاعات واسعة من الجماهير، تُعد وسيلة فعالة للتوافق حول قضايا الحكم والسلام.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل تمثل هذه المؤتمرات العامة التي تدعو لها القيادات الأهلية بديلًا لعمل الأحزاب السياسية؟
عندما تعجز بعض المؤسسات عن أداء دورها، يصبح من الضروري التفكير في ملء الفراغ الذي تتركه، ولو بصورة مؤقتة، عبر مؤسسات أخرى تمتلك ذات الاهتمام والحضور الجماهيري، إلى أن تستعيد الأحزاب السياسية قدرتها على الفعل.
فالأحزاب الوطنية التقليدية، التي تأسست قبل الاستقلال وشكلت عمود السياسة السودانية، تعاني اليوم من أزمات تنظيمية وفكرية عميقة، وتحتاج إلى إعادة بناء وتحديث. وتُعد الفترة التأسيسية معنية برعاية عملية بناء المؤسسات الديمقراطية، بما في ذلك مراجعة قانون الأحزاب، بما يمنع احتكارها من قبل أسر أو بيوتات بعينها، ويضمن ديمقراطيتها الداخلية، وتحديد مدد القيادة بدورتين فقط.
وإذا كانت القيادات الأهلية تسعى لحسم مسألة الفترة التأسيسية عبر تزكية رئيس مجلس السيادة لقيادتها، فإن من الضروري أيضًا طرح تصور واضح لتشكيل المجلس التشريعي.
فهذا المجلس لا يقتصر دوره على التشريع والرقابة، بل سيكون ساحة حقيقية للصراع السياسي والفكري.
وتقتضي الفترة التأسيسية أن تكون بداية فعلية للممارسة الديمقراطية، عبر انتخاب لجان الأحياء، على أن تتولى القيادات المنتخبة في الولايات اختيار ممثلي المجلس التشريعي، بما يعزز المشاركة الشعبية من القاعدة إلى القمة.
إن الخطوة التي اتخذتها القيادات الشعبية في شرق السودان بعقد مؤتمرها العام وطرح فكرة قيادة الفترة التأسيسية تمثل انتقالًا مهمًا بالفعل السياسي من الجدل العقيم إلى طرح أفكار تفتح آفاق الحوار العقلاني.
وهناك من يذهب إلى إمكانية طرح دستور 2005 للاستفتاء الشعبي، باعتبار أن غالبية القوى السياسية شاركت في صياغته، مع ضرورة تعديل بعض النصوص الخلافية لتتلاءم مع متطلبات التحول الديمقراطي.
إنها أفكار جادة تهدف إلى أن يُنتج الفعل السياسي من داخل السودان، لا في عواصم الخارج.
نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.