يعقوب وجدَل الشيوعي وعبد الخالق (1–2)
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
أن الجدل الفكري والدراسة العلمية يجبران المفكر والدارس على تحرّي الصدق عند جمع المعلومات والبينات، ووضع الافتراضات، حتى يصل إلى النتائج المطلوبة.
فالجدل الفكري لا يقبل الشعارات ولا الأحكام المتعجلة، ولذلك نجد كثيرين يهربون من هذا الطريق، ومن قراءة المقالات التي تتطلب قدراً من التفكير والاشتباك الذهني.
المقال الذي كتبته قبل يومين ونُشر في موقعي «سودانيل» و«سودانيز أون لاين» وعدد من القروبات المختلفة، جاء تعقيب الأستاذ يعقوب كابي عليه في شكل رد فكري يبحث عن الحقائق، فطرح العديد من الأسئلة التي تدل على أن كاتبها ليس قارئاً عادياً، بل دارساً وباحثاً عن الحقيقة.
لذلك لا يمكن المرور على هذه الأسئلة أو تجاوزها، بل لا بد من الرد عليها وفق معرفتي الشخصية ومتابعتي لحركة الفعل والسياسة في السودان.
الأسئلة المطروحة
طرح الأستاذ يعقوب كابي عدداً من الأسئلة تمحورت في الآتي:
أولاً:
يحمل السؤال الأول في باطنه عدة تساؤلات، إذ يسأل يعقوب: لماذا يحمل كاتب المقال الحزب الشيوعي وحده وزر الانهيار الفكري، رغم أن التراجع لم يكن قاصراً عليه وحده، بل تتحمله أيضاً الأحزاب التقليدية، والقوميون الذين تآكل مشروعهم، والإسلاميون الذين حوّلوا الفكر إلى سلطة؟.
ثانياً:
أن عبد الخالق محجوب حاول مواءمة النظرية الماركسية مع واقع مجتمع غير صناعي وغير بروليتاري، الأمر الذي انتهى إلى تناقضات فكرية حقيقية.
فهل كان ممكناً للحزب أن ينتج فكراً جديداً في ظل القمع، والعمل السري، وانكسار المشروع الاشتراكي عالمياً؟
ثالثاً:
أن المظالم التاريخية التي استندت إليها خطابات الهامش كانت حقيقية، وإن فشلت الأحزاب – بما فيها الحزب الشيوعي – في تحويلها إلى برنامج وطني جامع.
مدخل للإجابة
في البدء، أشكر الأستاذ يعقوب كابي على هذه المداخلة الفكرية المهمة، فهي مداخلة تنشّط العقل، وتسترجع التاريخ، وتحول المقال من مجرد رسائل تذكير إلى حوار ذهني تتسع فيه المعلومة بالضرورة.
بالفعل، حمّل المقال الحزب الشيوعي المسؤولية الكبرى عن الانهيار الفكري في الساحتين السياسية والثقافية.
ومن المعروف أن الجدل الفكري، والحديث عن تيارات الفكر العالمي، كان نتاجاً طبيعياً للتعليم الحديث الذي جاء به الاستعمار. وبعد ذلك تكوّن نادي الخريجين عام 1918م، الذي أثار مجادلات ثقافية واسعة، قادت بدورها إلى ظهور الروابط الثقافية في الأحياء خلال عشرينيات القرن الماضي.
ثم جاءت ثورة 1924م لتطرح أسئلة سياسية كبرى كان لا بد للنخب المثقفة آنذاك من الإجابة عليها. هذا الإنعاش السياسي في الوعي قاد إلى تظاهرات طلاب كلية غردون عام 1931م،
وتراكمات هذه المرحلة انتهت إلى تأسيس مجلتي «الفجر» و«النهضة» عام 1933م، حيث تبلورت الرؤى الجديدة، وطرحت أسئلة الهوية، وأثارت جدلاً وسط النخب المختلفة، خاصة في مؤتمر الخريجين الذي تأسس عام 1938م. وهي مراحل تمثل تطور الفكر في السودان.
المستفيد من المرحلة التاريخية
المستفيد الحقيقي من هذه المرحلة كانت الطبقة الوسطى الجديدة، لأنها حملت راية الاستنارة في المجتمع. وكانت الأحزاب الاتحادية أقرب إلى نبض الشارع، بحكم عدم ابتعادها عن القوى المحافظة في المجتمع.
وفي أربعينيات القرن الماضي، ظهرت الحركة الوطنية للتحرر الوطني (حستو) عام 1946م كأول تنظيم يساري في البلاد، لكنها واجهت صعوبة في التحول إلى حركة جماهيرية.
هنا بدأ السجال الفكري بين عبد الخالق محجوب وعبد الوهاب زين العابدين، الذي رأى أن إعلان قيام حزب شيوعي في مجتمع غير ناضج سياسياً وثقافياً أمر سابق لأوانه، وفضّل أن تتحول الحركة إلى تيار داخل الحركة الاتحادية، يطرح أطروحاته الفكرية ويحافظ على دور الطبقة الوسطى كقوة ديمقراطية فاعلة.
غير أن عبد الخالق عارض هذه الرؤية، وأصر على قيام حزب شيوعي مستقل، واتهم عبد الوهاب باليمينية.
صراعات داخلية وتكريس القيادة
في عام 1952م، جاء عوض عبد الرازق أميناً عاماً للجبهة المعادية للاستعمار، وأثار جدلاً فكرياً مماثلاً مع عبد الخالق محجوب، وكانت رؤيته قريبة من رؤية عبد الوهاب زين العابدين.
لكن عبد الخالق اتهمه بالتحريفية واليمينية الانتهازية، والسعي للانقسام، فتم إبعاده، وأصبح عبد الخالق السكرتير العام للحزب الشيوعي.
مع ذلك، كان عبد الخالق نفسه يثير الجدل داخل الحزب، في سياق سعيه لترفيع موقعه إلى قمة الهرم التنظيمي.
وهذه المراحل التي مرّ بها الحزب الشيوعي كان عبد الخالق سيدها، بما أثاره فيها من مجادلات فكرية، سواء داخل الحزب أو مع مجموعة مختار عبيد التي تبنت الرؤية الصينية، أو لاحقاً في الجدل الذي أعقب انقلاب مايو 1969م.
تراجع الجدل الفكري لدى الأحزاب الأخرى
تراجع دور الحزب الوطني الاتحادي في السجال الفكري بعد فوزه في انتخابات 1953م، إذ انشغلت نخبه بقضية الحكم والصراع على السلطة.
أما حزب الأمة، فلم يدخل في جدل فكري حقيقي إلا بعد بروز الصادق المهدي.
في المقابل، ظهرت الحركة الإسلامية بقوة بعد ثورة أكتوبر 1964م، وكان حسن الترابي مشغولاً بالتأسيس ومزاحمة الحزب الشيوعي.
أما القوميون العرب، فكانوا مستهلكين للأفكار القادمة من خارج السودان، حيث روّج الناصريون لأفكار عصمت سيف الدولة وعبد الله خيري.
بينما تبنى البعثيون أطروحات ميشيل عفلق وصلاح البيطار ومنيف الرزاز وذكي الأرسوزي وإلياس فرح وياسين الحافظ وغيرهم، لذلك لم يكونوا جزءاً فاعلاً من الجدل الفكري الداخلي.
ولم يتغير ذلك إلا بعد الصراع الداخلي الذي خرج منه محمد علي جادين متبنياً قضية الديمقراطية كقضية مركزية، وعبد العزيز حسين الصاوي الذي كتب عن «الديمقراطية المستحيلة» ودعا إلى الاستنارة.
الاتحاد الاشتراكي والانشقاق الشيوعي
أما فكرة الاتحاد الاشتراكي، فرغم جذورها الناصرية، فإن من دعموها في السودان كانوا في الأساس من التيار الراديكالي الذي انشق عن الحزب الشيوعي عام 1971م.
وعلى رأسهم: أحمد سليمان، وعمر مصطفى المكي، ومعاوية سورج، ومكاوي عوض المكاوي، وآمال عباس، وفاروق أبو عيسى، وصلاح أحمد إبراهيم، وغيرهم.
ونواصل الإجابة… نسأل الله حُسن البصيرة.

Comments are closed.