بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
في الوقت الذي يوقّع فيه محمد كاكا، الرئيس التشادي، وثيقة تفاهم مع فرنسا في باريس يوم 13 أكتوبر 2026، كان المبعوث الفرنسي الخاص للسودان والقرن الأفريقي، جان مازيه سافا، في الخرطوم، يلتقي وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، ويقترح عليه وساطة بين السودان وإثيوبيا. ويرد الوزير سالم بأن السودان منفتح على الحوار مع إثيوبيا، شريطة أن توقف دعمها للميليشيا.
إن حركة تنقّل قيادات الدول في المنطقة تؤكد أن مشروع المؤامرة على السودان قد انتهى، وأن الدور الإماراتي فشل في مخططاته، ولذلك بدأت دول تبحث عن حمايات خارج حدودها.
عندما خططت الإمارات للمؤامرة ضد السودان بالتعاون مع الميليشيا، دعت محمد كاكا لزيارة أبوظبي، وبالفعل تمت الزيارة في يونيو 2023م.
وطلبت الإمارات من الرئيس التشادي إنهاء الوجود الفرنسي في تشاد، وعدم تجديد اتفاقية التعاون بين البلدين.
وكان الهدف من إلغاء الاتفاقية حجب المعلومات، حتى لا يوثّق الفرنسيون الدعم العسكري الذي سيُرسل إلى الميليشيا عبر مطار أم جرس، وكذلك الدعم القادم من ليبيا. ورفضت تشاد تجديد الاتفاقية، وقالت إن الاتفاقية لم تعد تستجيب للاحتياجات الجيوسياسية والأمنية لتشاد.
بعد خروج الفرنسيين من تشاد، بدأت الطائرات القادمة من الإمارات تهبط في مطار أم جرس التشادي، حيث سجّلت وكالة رويترز للأنباء 86 رحلة بدأت بعد اندلاع الحرب في السودان.
وبعدها، زار الرئيس التشادي الإمارات في 28 يونيو 2023م، ومكث هناك 11 يوماً، وقّع خلالها مع رئيس الإمارات اتفاقية شراكة في المجالات العسكرية والتنموية، وهي الاتفاقية التي سمحت لتشاد بأن تكون جسراً إلى الميليشيا في عمليات التموين وإمدادها بالسلاح والذخائر.
في الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026م، زار رئيس الإمارات محمد بن زايد فرنسا، وهي الزيارة التي تعلقت بالتعاون بين البلدين في غرب أفريقيا. وفي الشهر نفسه، وتحديداً في 28 يونيو 2026م، زار الرئيس التشادي الإمارات، وهي الزيارة التي حُسمت فيها، بحسب ما يُتداول، ترتيبات استلام السلطة في النيجر.
وقد وقع الانقلاب في النيجر في أغسطس 2026م، واتُّهمت تشاد بالضلوع فيه. وقال التلفزيون الرسمي في النيجر إن التحقيق مع قيادات الانقلاب الموقوفين أثبت، بحسب ما أعلنه، تلقيهم دعماً وتنسيقاً خارجياً شمل تشاد، إلى جانب فرنسا والإمارات وبلجيكا.
وجاء في بيان صدر عن الحكومة بشأن الانقلاب أن هناك ترتيبات خارجية وتسهيلات مرتبطة بجهات في عدة دول، من بينها تشاد، لدعم المتمردين والضباط الشبان المشاركين في الانقلاب، الذي استهدف مطار ديوري هاماني الدولي والقاعدة الجوية 101 ومحيط القصر.
استخدمت الإمارات، منذ أبريل 2023م، قيادات السلطة في تشاد في ما أصفه بالألعاب القذرة في أفريقيا، سواء في السودان أو في محاولة الانقلاب في النيجر، وربما تكون هناك مخططات أخرى.
إن الزيارة التي قام بها محمد كاكا، رئيس تشاد، إلى فرنسا، ولقاءه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أسفرا عن توقيع اتفاقية تهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي وتطوير قدرات القوات المسلحة التشادية في مجالات التصنيع الحربي والابتكار.
إن عودة الرئيس التشادي إلى فرنسا تؤكد، في تقديري، أن الإمارات استنفدت حاجتها إلى تشاد، بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوداني في ميادين القتال ضد الميليشيا، وأن الإمارات لم تعد في حاجة إلى تشاد، الأمر الذي جعل الرئيس التشادي يتخوف من ردة الفعل السودانية إذا دخلت قواته إلى دارفور.
ويعرف الرئيس التشادي أن فرنسا في أمسّ الحاجة إلى العودة لمنطقة غرب أفريقيا، بعد أن خسرت نفوذها في عدد من دولها. ويعتقد كاكا أن السماح لفرنسا بالعودة إلى المنطقة سيكون دافعاً لحماية نظامه من السقوط في المستقبل. وهذا يؤكد أن الرئيس التشادي يعلم أن تآمره على السودان لا بد أن يدفع ثمنه في المستقبل.
إن خوف الرئيس التشادي من الحساب، والذي دفعه إلى الاتجاه نحو فرنسا، يؤكد، في تقديري، أن تشاد أدركت أن الإمارات خسرت نفوذها في أفريقيا. وكنت قد أشرت في مقال سابق بعنوان «نهاية النفوذ الإماراتي في أفريقيا» إلى هذا الأمر.
كما أن طلب المبعوث الفرنسي التوسط لإنهاء حالة التوتر بين إثيوبيا والسودان يؤكد خروج الإمارات من المنطقة التي دخلت في حروب عديدة، ويُنظر إليها باعتبارها تقف وراء كثير من تلك التطورات.
ويؤكد التحرك الفرنسي أن الإمارات تبحث عن مخارج للدول التي كانت ضالعة معها في مخططاتها التآمرية، خاصة بعد فشل المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، مسعد بولس، الذي كان يحمل المشاريع الإماراتية لحل قضية الحرب في السودان، وخسارته المعركة في مجلس الأمن.
وبعد تحرير عدد من الولايات والخرطوم، والانتصارات التي حققها الجيش في كردفان، ووصوله إلى تخوم دارفور، أدركت الإمارات أنها خسرت المعركة، لكنها ظلت تبحث عن أي تسوية أو تفاوض بين الجيش والميليشيا.
فالهدف، في تقديري، ليس الميليشيا ذاتها، وإنما توظيف المفاوضات لإيجاد تسوية سياسية تعيد من خلالها أجندة ما قبل الحرب.
ويأتي ذلك باعتبار أن خروج الميليشيا من المعادلة السياسية مستقبلاً يعني تغيير الأجندات السابقة بأخرى جديدة. ومن المعروف أن التوازنات في السياسة تعتمد على توازن القوى؛ فالطرف الذي يخرج من المعادلة يفقد دوره في المستقبل تماماً.
نسأل الله حسن البصيرة.