الهضيبي يس يكتب: حليل «بيت السودان»

بقلم: الهضيبي يس
وصل الطالب الباكستاني الشاب إلى لندن في حقبة العصر الذهبي للابتعاث لإكمال دراسته العليا في تخصص الرياضيات المعقدة، وبعد فترة وجيزة، بدأت تحاصره الضغوط.

فالمواد كانت شديدة الصعوبة، والمراجع المطلوبة نادرة وباهظة الثمن، والأجواء العامة في الغربة أصابته بالإحباط الشديد حتى شارف على الاستسلام وحزم حقائبه والعودة إلى باكستان.

لاحظت أستاذته المشرفة (وهي بروفيسورة بريطانية بجامعة لندن) تراجعه الأكاديمي ويأسه، وعندما تحدث معها واشتكى لها من صعوبة المنهج وعدم قدرته على استيعاب المسائل الرياضية المعقدة بمفرده.

ابتسمت وقالت له جملتها الشهيرة: “إذا أردت أن تفهم الرياضيات وتتجاوز هذه المواد، فاذهب إلى بيت السودان (Sudan House) في لندن!”

تعجب الطالب واستغرب؛ فما علاقة سكن طلابي لدولة أفريقية بعلم الرياضيات؟ لكنه قرر الأخذ بنصيحتها وتوجه إلى العنوان.

وكانت الصدمة في بيت السودان حيث كان عبارة عن خلية نحل من العباقرة، فعندما دخل الطالب الباكستاني مبنى “بيت السودان”، وجد ما لم يكن يتوقعه؛ كان البيت يعج بالنوابغ والمبتعثين السودانيين الذين يدرسون أدق التخصصات.

رحب به الطلاب بكرمهم المعهود، وعندما علموا بمشكلته، لم يبخلوا عليه بالوقت، والذي تحول إلى صالون البيت وغرف المذاكرة الجماعية إلى فصول دعم يومية،

كان الطلاب السودانيون الأكبر سناً والأكثر تفوقاً يجلسون معه لساعات طوال، يشرحون له المسائل الرياضية المستعصية، ويبسطون له النظريات.

بل ويشاركونه كتبهم ومراجعهم الثمينة، ناهيك عن إكرامه بالوجبات السودانية الدافئة التي أخرجته من عزلة الغربة.

ويذكر ذلك الطالب هو البروفيسور توفيق منصور استاذ الرياضيات المتقطعة والتوافيق الإحصائية (Discrete Mathematics & Combinatorics) الذي عمل في عدد من الجامعات.

مثل جامعة نانكاي في الصين وجامعة ويتواترسراند في جنوب أفريقيا سيما وان إقامة المبتعثين ببيت السودان في لندن، وهو عقار مملوك لحكومة السودان قبل الاستقلال.

وهو ملك حر Freehold تم شراؤه عام 1947 بتصديق من السكرتير المالي في الخرطوم Financial Secretary في ذلك الوقت. يقعُ في منطقة بادنقتون وسط لندن جوار حي الهايد بارك الشهير.

ويعتبر وقتها (بيت السودان) ملتقى ودار ضيافة قصيرة الأمد للمبتعثين السودانيين الوافدين لبريطانيا للدراسات العليا والتدريب الفني والمهني لحين انتقالهم إلى مواقع سكنهم الدائم ودراساتهم في لندن والمدن البريطانية الأخرى.

وكانت أعداد المبتعثين السودانيين للدراسة والتدريب في بريطانيا قد تزايدت وتضاعفت من مختلف المصالح الحكومية: من مصالح ووزارات الصحة، الأشغال، السكك الحديدية، مشروع الجزيرة، القضائية وكلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم فيما بعد) والملاحة والنقل الجوي، وغير ذلك من التخصصات.

بينما انتقل بيت السودان في يوليو 1953 إلى موقعه الحالي الذي اشتهر به وهو 32 Rutland Gate في منطقة نايسبردج وسط لندن وشهادات ملكيته محفوظة في أرشيف بعثتنا الدبلوماسية بلندن.

والذي كتبت عنه بير كليتون Beer Clayton أول مديرة ومشرفة على إدارة بيت السودان والتي التحقت للعمل بوكالة السودان والسفارة لاحقاً خلال السنوات 1929 – 1963، أشهر الدراسات الاكاديمية غير المنشورة.

وكذلك المشرفة البريطانية “مسز مانينغ” (Mrs. Manning) التي كانت تدير البيت، ويتذكرها الطلاب بكثير من الامتنان؛ إذ لم تكن مجرد موظفة.

بل كانت تأخذ دور الأم البديلة للشباب السودانيين الوافدين حديثاً إلى عاصمة الضباب حيث كانت تستقبلهم بالترحاب، وتساعدهم على تخطي “صدمة الغربة” والطقس البارد، وتوجّههم بحنان لكيفية التأقلم والوصول إلى جامعاتهم.

فقد كان (بيت السودان) مسرحاً لأبهى الحفلات الثقافية؛ حيث كانت الدولة السودانية قديماً تسير رحلات وفود فنية على نفقتها لربط المغتربين بهويتهم.

شهدت ردهات البيت جلسات وحفلات أحياها عمالقة الفن السوداني مثل أحمد المصطفى، حسن عطية، عبد العزيز داؤود، وعبد الكريم الكابلي. يروي جيل الستينيات كيف كانت تلك الليالي تجمع السودانيين بمختلف توجهاتهم السياسية والقبلية ليذوبوا جميعاً في حب الوطن خلف أنغام الطمبور وأغاني الحقيبة.

كان البيت محطة أمان كبيرة حيث كان من التقاليد الإنسانية الراسخة في البيت أنه يضم غرفاً مخصصة يطلق عليها “غرف الطوارئ” أو الاستضافة قصيرة الأجل. أي مبعوث أو طالب سوداني يصل إلى لندن لأول مرة، حتى وإن لم يملك سكناً، كان يتوجه مباشرة من المطار إلى “بيت السودان”.

فهناك عله يجد سريراً متاحاً ووجبة دافئة وزمالة ترشده حتى يستقر ويبدأ رحلته الأكاديمية، اذ يمثل محطة مهمة في زيارات رؤساء الجمهورية وكبار المسؤولين وموظفي الدولة للعاصمة البريطانية لندن حيث يتم التداول حول مجمل الاوضاع وبحث زيارة المسؤول السوداني للندن.

وفي شهر سبتمبر من العام 2011 تم بيع العقار رفقة أحد عشر عقاراً آخر من قبل الحكومة السودانية، حيث رثاه الاديب السوداني الطيب صالح الذي عاش فيه شطراً من حياته في لندن، وكان شاهداً على العصر الذهبي لهذا الصرح، بكثير من الأسى والحزن.

لم تكن كتاباته مجرد رثاء لجدران عقارية بيعت في الخفاء، بل كانت رثاءً لرمزية الكرامة والمؤسسية التي كان يحظى بها المواطن السوداني في بلاد الغربة حينها.

فعلى مدى التاريخ، قدم بيت السودان خدمات جليلة للزوار والموظفين والطلاب، وكان يقع في أفخم أحياء المدينة.. وكان لأي سوداني الحق ان يذهب الى بيت السودان وأن يقيم فيه، كانت الإقامة للزوار بقيمة رمزية وللطلاب مجاناً، وهنالك عدد من الموظفات الانجليزيات الذين يشرفن على الإدارة والخدمات.

ليحمل تاريخاً وإرثاً إنسانياً زاخراً بالقصص والمواقف العاطفية التي تختزل ذكريات أجيال من المبتعثين، والمفكرين، والطلاب السودانيين منذ أواخر الأربعينيات وفترة ما بعد الاستقلال مباشرة.
لم يكن المكان مجرد عقار دبلوماسي، بل كان بمثابة وطن صغير داخل الغربة وملاذاً آمناً لكل مغترب.
ودمتم..
الهضيبي يس

الهضيبي يسبيت السودان لندنرؤساء الجمهوريةطالب بريطاني
Comments (0)
Add Comment