الجيش بين الضبط وتجديد أدوات التغيير

6

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن التعديل الذي أجراه القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في هرم القيادة، ليس مسألة مرتبطة بـ”الروتينية المؤسسية” في تغيير التكاليف الوظيفية أو الرتب العسكرية، وإنما هو تحول ذو طابع سياسي إستراتيجي، تسعى من خلاله المؤسسة العسكرية إلى ضبط الخطاب السياسي الصادر عنها.

حيث أصبح هناك مستويان في القيادة: القائد العام بحكم منصبه رئيساً لمجلس السيادة، باعتبار أن وظيفة رئيس المجلس وظيفة مدنية سياسية، إلى جانب مساعد القائد العام لشؤون البناء والتخطيط الإستراتيجي، وهو موقع يرتبط كذلك بالشأن السياسي، لكونه معنيّاً بتخطيط بناء الدولة، وليس قاصراً على المؤسسة العسكرية.

ضمن هذه التحولات في سياسة الجيش، جاء توجيه هيئة الأركان التي يترأسها الفريق أول ياسر العطا، بحظر تعليقات العسكريين عبر وسائل الإعلام، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين. ورغم أن هذا التوجيه يرتبط بالانضباط، خاصة في الخطاب السياسي، إلا أنه يمثل جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل السياسة العامة وفتح الباب لتقديم أفكار حول مستقبل السودان.

ويُفهم هذا التوجه من زاويتين:
الأولى، رسالة للقوى الشعبية التي استنفرت وانضمت إلى الجيش في “حرب الكرامة”، بضرورة الالتزام بالانضباط في الخطاب، وعدم تحويل ساحات القتال إلى منابر للمكونات والانتماءات السياسية، بما يحفظ للجيش طابعه القومي بعيداً عن الدعاية.

أما الثانية، فهي العمل على تحديد قنوات تواصل بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية المختلفة، بهدف الانتقال من خطاب المواجهة والاتهامات إلى طرح أفكار تُحدث تغييراً حقيقياً في الساحة السياسية.

إن الأفكار الجديدة التي ابتدعها الجيش في تجديد وتحديد أدوات الاتصال السياسي تمثل نقلة من “الخطاب التوتاليتاري” الذي اتسمت به المؤسسات العسكرية تقليدياً، إلى خطاب براغماتي يقوم على النسبية ويقبل الحوار والأخذ والرد، عبر نقاش عقلاني قائم على تقديم الأفكار.

في المقابل، عجزت الأحزاب السياسية عن بلوغ هذه المرحلة، إذ ما تزال تعيد إنتاج الأزمات من خلال تكرار ذات الخطابات التي قادت إلى فشل برامجها منذ الاستقلال.

فبعضها يستند إلى شعارات مكرورة، وآخر يعتمد على نظريات ثبت فشلها في تجارب دول أخرى. كما فشلت هذه الأحزاب في الربط بين شعارات الديمقراطية وعملية التغيير الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق برفع مستوى الوعي السياسي.

ومن المعلوم أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى تدفق مستمر للأفكار، باعتبارها الأداة الأهم، لا إلى شعارات فارغة تفتقر للمضامين أو للآليات التي تُحققها.

الملاحظة المهمة أن القوى السياسية المساندة للجيش حصرت نفسها في أدوار وظيفية محدودة، تقتصر على المشاركة في فعاليات سياسية، أو اتخاذ مواقف مضادة للآخرين.

وهو دور يقوم على رد الفعل، ولا يُنتج أفكاراً تسهم في الحوار أو في صناعة واقع جديد، أو حتى في معالجة الأزمة السياسية الراهنة.

ويظل هذا القصور قائماً لأن المصالح التي تحكم هذه القوى ضيقة ولا تتجاوز حدود الأفراد.

لقد طُرحت منذ العام 2021 أسئلة جوهرية: من يصنع الحدث في السودان؟ ومن يقدم الأفكار، حتى وإن كانت خاطئة، بهدف تحريك الخطاب السياسي؟

والإجابة المؤسفة أن القوى السياسية ليست هي الفاعل في هذا الجانب. فالأحزاب التي تغيب فيها الحرية، وتسيطر عليها الفردية أو الشللية، وتعاني ضعف الممارسة الديمقراطية.

تصبح كيانات خاملة، غير قادرة على إنتاج ثقافة ديمقراطية أو حتى تطبيقها، وتكتفي بخطابات زائفة في معناها ودلالتها.

وعليه، تبرز أسئلة ملحّة أمام القوى السياسية: لماذا أقدمت قيادة الجيش على تحديد مصادر الخطاب السياسي الصادر عنها؟ .

وهل تستطيع هذه القوى فتح حوار مباشر مع المؤسسة العسكرية حول مستقبل الدولة بعد الحرب، بعيداً عن التدخلات الخارجية؟ وهل تملك القدرة على الخروج من حالة الوصاية والدخول في حوار وطني مفتوح يفضي إلى توافق حقيقي؟

إذا عجزت القوى السياسية عن الإجابة على هذه الأسئلة، وعن طرح أفكار جديدة، فإن الأحداث ستتجاوزها، وستفسح المجال لبروز قوى أخرى قادرة على فتح آفاق للحل.
نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.