الخرطوم المدينة الٱمنة

0 92

لنتفق على أن ما حدث في الخرطوم كشف أن المشكلة لم تكن فقط حرباً بين قوتين، بل انهياراً كاملاً لفكرة “المدينة الآمنة”. لذلك فإن عودة السكان وحدها لا تكفي، إذا لم تُصاحبها إعادة بناء أمنية وخدمية ومجتمعية مختلفة عن مرحلة ما قبل 15 أبريل.

من المؤكد ان أي حل واقعي يحتاج إلى العمل في عدة مسارات متوازية، وليس الاكتفاء بالحلول العسكرية وحدها:
أولاً، استعادة احتكار الدولة للسلاح.

هذه هي النقطة الجوهرية. لا يمكن لأي مدينة أن تستقر وفيها تعدد مراكز القوة المسلحة. تجارب الدول الخارجة من الحروب تؤكد أن بقاء المليشيات، حتى لو تحت مسميات مختلفة، يجعل احتمال الانفجار قائماً في أي لحظة. المطلوب ليس فقط اتفاقات سياسية، بل ترتيبات أمنية حقيقية، تشمل الدمج والتسريح والرقابة الصارمة على السلاح.

ثانياً، إعادة تعريف الخرطوم كمدينة مدنية، فمن الصعب إقناع الناس بالعودة إذا ظل الإحساس بأن الأحياء السكنية يمكن أن تتحول مجدداً إلى خطوط نار. لذلك يبدو منطقياً تقليل الكثافة العسكرية الثقيلة داخل المناطق المدنية، خصوصاً مخازن الذخيرة والمعسكرات الكبرى ومناطق التصنيع الحربي، مع إنشاء نطاقات عسكرية أكثر عزلة وأماناً خارج الكتلة السكانية.

لكن في المقابل، يجب الحذر من تحويل المجتمع نفسه إلى حالة تعبئة عسكرية دائمة، لأن ذلك قد يخلق بيئة خوف واستقطاب جديدة. المدن تُحمى بمؤسسات محترفة، شرطة فعالة، وقانون، أكثر مما تُحمى بثقافة التسليح الأهلي.

ثالثاً، إعادة الخدمات بسرعة
الناس قد تتحمل صدمة الحرب، لكنها لا تستطيع التعايش طويلاً مع انعدام الماء والكهرباء والتعليم والعلاج. أي تأخير في إعادة الخدمات يفتح الباب للفوضى والجريمة والسوق السوداء والهجرة مجدداً.

رابعاً، بناء لجان مجتمعية مدنية
وجود لجان أحياء مهنية وغير مسيّسة يمكن أن يساعد في:
حصر الاحتياجات.
التنسيق مع الشرطة والدفاع المدني.
مراقبة أي مظاهر انفلات.
تنظيم العودة.
منع خطاب الكراهية والانتقام.
لكن يجب أن تبقى هذه اللجان مدنية وخدمية، لا أن تتحول إلى تشكيلات مسلحة موازية.

خامساً، العدالة والمحاسبة:
أي مجتمع يخرج من حرب بهذا الحجم يحتاج إلى مسار عدالة واضح، حتى لا تبقى الرغبة في الثأر والانتقام كامنة تحت السطح. كثير من الدول التي تجاهلت هذا الجانب عادت إليها الحروب بصورة أعنف.

وأخيراً، ربما أهم درس من الحرب هو أن العاصمة لا يجب أن تُدار بعقلية “المركز المحصّن” فقط، بل بعقلية توزيع القوة والخدمات والتنمية على بقية الولايات. حين تصبح كل الدولة مركزة في مدينة واحدة، فإن سقوط تلك المدينة يهز البلد كله.

لذلك قد يكون الحل الحقيقي للسودان مستقبلاً ليس فقط إعادة إعمار الخرطوم، بل إعادة بناء فكرة الدولة نفسها، بحيث لا تصبح حياة الملايين معلقة بمدينة واحدة أو مؤسسة واحدة أو قوة واحدة.

العديد من العواصم والمدن بادرت بإخراج المظاهر العسكرية خارج النطاق المدني ونجحت في ذلك، ففي كازاخستان نقلت العاصمة من ألماتي إلى أستانا، لأسباب استراتيجية وأمنية وجيوسياسية، مع إعادة توزيع المنشآت الحكومية والعسكري.

وفي نيجيريا نقلت العاصمة من لاغوس إلى أبوجا لتقليل التوترات السياسية والعرقية والازدحام الأمني، وإنشاء مدينة أكثر تنظيماً للمؤسسات السيادية.

أما في كوريا الجنوبية فقد تم نقل قواعد عسكرية أمريكية ضخمة من قلب سيول إلى مناطق أبعد جنوباً، خصوصاً قاعدة يونغسان الشهيرة، بهدف تقليل المخاطر الأمنية والزحام داخل العاصمة.

فماذا يمنع تفريغ العاصمة المثلثة من كافة مظاهر العسكر لتصبح المدينة ٱمنة؟!.

كمال ادريس

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق