الفكرة في مجادلات التجاني عبد القادر

0 21

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن الفكرة تعتبر أهم قاعدة يؤسس عليها الدكتور التجاني عبد القادر رؤيته، وهي أهم أعمدة المعرفة التي يتكئ عليها مشروعه الفكري.

حيث يعتبر التجاني أن الدولة في الفهم الإسلامي السني هي تحت المجتمع، وليست بناءً فوقياً يخضع له المجتمع، لذلك تصبح الدولة وسيلة من الوسائل الإدارية التي تتكون من عدة مؤسسات سياسية وتشريعية واقتصادية، أي المؤسسات التي تخدم المجتمع.

ومن هنا يجب ألا يتخوف المسلم من لفظ العلمانية، لأن هناك مساحة في مؤسسات الدولة يشارك فيها المسلم وغيره من أصحاب الديانات الأخرى والعلمانيون. ويبين أن إدارة الدولة في أية دولة تعتبر هي ذات الإدارة التي يدير بها المسلمون والعلمانيون شؤون الدولة، فالمصطلح في الإدارة يجب أن تخفت حرارته.

ويؤكد التجاني أن الدول، خاصة العربية والإسلامية، جميعها تعاني من ثالوث الجهل والفقر والمرض، وعندما تطرح الحركات الإسلامية كقوى من أجل التغيير، يجب عليها أن تعالج إشكالية هذا الثالوث. ولكن هذه القضايا ليست ببعيدة عن الكسب السياسي، الأمر الذي يقدح في هذا العمل.

والإشكالية الأخرى أن بعض الحركات الإسلامية صفوية المنشأ، وبهذا التكوين تهمل الاهتمام بقضايا القطاعات الشعبية.

وفي إشارة مهمة لعبد القادر في إحدى محطاته يقول: «من المفروض أن القوى السياسية تشكل الدولة وفقاً لطرحها السياسي، لكن تجد في كثير من الأحيان أن الدولة تبدأ في تشكيل هؤلاء وتعدل رؤاهم»، وهذا المأزق الذي تقع فيه العديد من الحركات الإسلامية.

وعن الزعامة، يقول في مقال نشر في جريدة «الأحداث» في 2 يونيو 2012م، إن بقاء جيل تأسيس الأحزاب أو الحركة الإسلامية لفترات طويلة على قمة القيادة سيضر بالتطور الطبيعي للحزب أو للحركة، لأنها لن تبلغ النضج إلا بتنحي الآباء المؤسسين، وإتاحة فرص لأجيال جديدة.

ولكن أيضاً ليس من الحكمة تغيير زعيم في ظل عدم وجود قيادات موازية. هذا التصور يبين موقف التجاني عبد القادر من احتكارية المواقع القيادية دون إفساح المجال لقيادات جديدة تقدم رؤى جديدة، تطور من المؤسسة الحزبية وترسخ فيها القيم الديمقراطية في تبادل القيادة.

عندما اشتد الصراع بين المكون العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، كتب التجاني مقالاً في 4 يوليو 2019م بعنوان «مستقبل اتفاق العسكر وقحت»، استدل فيه برؤية قرآنية وأخرى برؤية صمويل هنتنغتون في كتابه «النظم السياسية في مجتمعات متغيرة».

حيث أشار في قصص القرآن إلى الصراع الذي كان دائراً بين سيدنا موسى وفرعون، وقال: كان هناك أربعة متغيرات في هذا الصراع: «العقيدة – الأرض – القوى العاملة – النظام الفرعوني المهيمن». وقال إن موسى كان يملك واحدة من الأربعة، وكان فرعون يملك المتغيرات الثلاثة، لكن استطاع موسى، لأنه يملك فكرة العقيدة، أن يضعف حجة فرعون.

وفي رؤية هنتنغتون، يقول التجاني إن رؤية هنتنغتون من أجل الاستقرار السياسي تقوم على أن هناك ثلاث فئات في المجتمع في دول العالم الثالث: العسكر والمثقفون والفلاحون، ويحتاج الاستقرار لتحالف اثنتين من الفئات الثلاث.

لكن هنتنغتون يستبعد تحالف العسكر مع المثقفين، باعتباره تحالفاً هشاً، لأن العسكر في تحالفهم مع المثقفين يريدون أن يجعلوا من الموظفين أداة لتثبيت النظام العسكري، والمثقفون في تحالفهم مع العسكر يريدون أداة لتطبيق أيديولوجيتهم.

لذلك لا بد من وقوع الصدام بينهم، وضرب مثلاً بالانقلابات التي حدثت في مصر وباكستان وكوريا الجنوبية وسوريا وأوغندا، حيث اتجه العسكر إلى تحالف مع الريف لكي تستمر سلطتهم.

أما الانقلابات التي شكلت تحالفاً بين العسكر والمثقفين، فقد وقع فيها صدام، خاصة في السودان في انقلاب الشيوعيين عام 1969 وانقلاب الجبهة الإسلامية والمفاصلة.
لذلك تنبأ التجاني بالصراع بين العسكريين و«قحت» قبل تشكيل حكومة حمدوك الأولى.

في الصراع الذي كان دائراً في بداية ثورة ديسمبر، أيضاً كتب التجاني رؤيته عن صراع الثنائيات، وهو الصراع بين الإسلاميين واليسار، واعتبره مجهضاً لأي عمل سياسي في البلاد.

يقول في بداية المقال، مشخصاً الأزمة: «تمنيت في رسالة سابقة بعنوان (بصيص من الأمل) أن يتجاوز الجيل الجديد ثنائية (علماني/إسلامي) المدمرة. وقد استشكل البعض هذه العبارة، واستغرب آخرون صدورها عني، وطلب آخرون مزيداً من التوضيح.

وها أنا أعود لهذه المسألة فأقول إن ثنائية علماني/إسلامي تشير إلى قريب مما بات يعرف في عالم الصفقات (بالمعادلة الصفرية)، والتي تعني أن ما يناله هذا الطرف من أرباح سيعني بالضرورة خسراناً مبيناً على الطرف الآخر، وأن ما يحققه هذا الطرف من تقدم سيكون بالضرورة خصماً من حظوظ الطرف الآخر، وهكذا تستمر العلاقة الصفرية بين الطرفين».

وهي ذات فكرة الدكتور الشفيع خضر، الذي كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وطرحها في ندوة جامعة الأزهري في يوليو 2019م، حيث قال: «لنجاح الثورة لا بد من مساومة تاريخية بين الإسلاميين والشيوعيين»، ولكن وجد هجوماً عنيفاً من الحزب الشيوعي.

في تحليله للصراع الذي كان دائراً في الإنقاذ، والذي أدى للمفاصلة وسيطرة فئة على التحكم في الدولة، كان يرى الدكتور التجاني أن الحركة الإسلامية في السودان شهدت تحولاً استراتيجياً خطيراً عند انتقالها من مرحلة «الفكرة والمعارضة» إلى مرحلة «الدولة والحكم».

وبدلاً من تأسيس دولة مؤسسات حديثة تلبي قيم العدالة والتنمية، اختُزلت الدولة في تحالف ثلاثي أفرغ المشروع من مضمونه الأخلاقي والفكري، وهو تحالف «القبيلة والسوق والأمن».

وتناول التجاني هذا المفهوم عبر سلسلة من المقالات لكي يوضح ويجسد رؤيته في الصراع الذي كان دائراً في الدولة، وكان يقول في ذات السلسلة:

«لقد كانت الرؤية الأساسية لوظيفة التنظيم هي أن يسد الفجوة بين المثال الإسلامي والواقع من جهة، وبين الدولة والمجتمع من جهة أخرى، أي أن يكون مساحة يستولد فيها برنامج إسلامي وطني تنموي يقوم على الطوع والتراضي.

ولكن قلبت هذه الرؤية رأساً على عقب حينما استولى الإسلاميون على جهاز الدولة في منتصف عام 1989، إذ ما أن أزيحت حكومة الأحزاب وحلت مكانها حكومة الإنقاذ، إلا وقد أزيح كذلك التنظيم».

رحم الله التجاني عبد القادر وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين.
حقيقة، الباحث عن الفكر ولم يقابل التجاني في حياته ويجلس معه ويحاوره ويسمع لأفكاره، يكون هو الخسران المبين.

أول مرة قابلت التجاني كانت في منزل الدكتور عبد الرحمن الفادني، الذي كان بالقرب من بوستة أم درمان. أيضاً في مسجد الجامعة، هناك مدخل عندما تخرج من صحن المسجد تجده على الشمال، وتجد البعض جلوساً يشربون الشاي.
نسأل الله له الرحمة والمغفرة والقبول الحسن.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق