الكاريزمات السودانية وثعلبية السياسة

657

هي مداخلات في تجارب قيادات الأحزاب السياسية السودانية، وهي تجارب الصراع من أجل السيطرة. وكانت سببا في تراجع فاعلية الأحزاب، وقد ظهر ذلك جليا بعد غياب الكاريزمات، حيث تراجع دور هذه الأحزاب ليس سياسيا.

بل تراجع دورها حتى في إلإنتاج الثقافي والفكري، حيث سمح الصراع بصعود القيادات التنظيمية والتنفيذية. التي لا تملك خاصية الانتاج الفكري.

فهي قيادات محافظة ودورها أن تحافظ على البناء الحزبي حتى إذا لم يكن هذا الدور فاعلا يعكس دور وتاريخية الحزب.

 

الكاريزمات القيادية للأحزاب

في بداية المبحث: نأخذ الزعيم الشيوعي “عبد الخالق محجوب” ثم ننتقل لبقية الكاريزمات الأخرى لمعرفة أثرها في ترقية و إضعاف دور الحزب في مسيرته التاريخية.

وعبد الخالق هو مفكر سياسي يعرف كيف يدير صراعه بأداة الفكر حيث يختبر به قدرات الآخرين.

معلوم أن التجارب التاريخية للنخب السياسية قد تلعب دورا كبيرا في رسم مسارات العمل السياسي المستقبلي في المجتمع.

وهي تجارب لا تتوقف في حدود اسوار التنظيمات السياسية، إنما تتجاوزها في كثير من المرات، و تلقي بظلالها على القوى السياسية الأخرى.

فاعلية الكاريزما السياسية

ويعتمد ذلك على فاعلية الكاريزما السياسية، وتأثير أرائها وأفكارها على الآخرين، إذا كان هؤلاء داخل الحزب أو خارجه.

وتعتمد الكاريزما في مثل هذه الصراعات على قدراتها الذاتية الفكرية والثقافية, ودائما تختار الوقت المناسب في إثارة الصراع.

مع الاعتماد على مجموعة داعمة له من العاملين في مجال التنظيم، والاستفادة من قدراتها على التعبئة القاعدية

حتى تستطيع الكاريزما أن تدير معركتها الفكرية بنجاح.

عبد الخالق محجوب

في كتابي الذي صدر عن دار المصورات بالسودان بعنوان ” الحزب الشيوعي السوداني – مجادلات فكرية” بينت أن عبد الخالق محجوب. في مراحل صعوده إلى قمة هرم الحزب الشيوعي، كان يعتمد على إثارة الصراع الفكري مع خصومه الذين تربعوا على قمة الهرم.

حيث استطاع أن يبعد عبد الوهاب زين العابدين من قمة ” الحركة السودانية للتحرر الوطني” عندما أثار قضية تحول الحركة إلى الماركسية.

وكان عبد الخالق يعلم إن رؤية عبد الوهاب زين العابدين تتناقض مع رؤيته، حيث كان عبد الوهاب رافضا التحول إلى الشيوعية لآن المجتمع غير مهيأ لقبول الفكرة.

واستطاع عبد الخالق محجوب بفضل المجموعة التي كانت تتحكم في الشأن التنظيمي أن يبعد عبد الوهاب زين العابدين.

وقد كررت التجربة مرة أخرى مع الأمين العام ” الجبهة المعادية للأستعمار” عوض عبد الرازق الذي اتهمه عبد الخالق بالتحريفية واليمينية.

وتم أبعاده حيث أصبح الطريق سالكا لعبد الخالق ليكون السكرتير العام للحزب الشيوعي.

استطاع عبد الخالق أن يقود الحزب الشيوعي كمفكر سياسي، ولكنه حاول أن يخرج بالصراع من داخل الحزب إلي خارج الحزب.

حيث افتعل العديد من الصدامات مع الحزب “الوطني الاتحادي” الذي كان يقوده أسماعيل الأزهري.

وساهم عبد الخالق في انشقاق عدد من القيادات الاتحادية، والتي ذهبت وكونت “حزب الشعب الديمقراطي” وبعدها تحالفوا مع الحزب الشيوعي.

ثعلب السياسة

كان عبد الخالق يعتقد أن أختراق الطبقة الوسطى، و ضرب حزبها الناشيء سوف يفتح مساحات للحزب الشيوعي لكي يتمدد في المجتمع.

وكان عبد الخالق يثير العديد من القضايا مع التيارات الأخرى لكي يضمن بقائه أطول فترة على هرم القيادة.

لكنه نسيّ أن أسماعيل الأزهري ثعلب سياسة واستفاد من قضية معهد المعلمين التي أدت لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان ومن ثم حل الحزب الشيوعي.

حل الحزب الشيوعي؛ جعل بعض قيادات شيوعية تفكر في كيفية العودة بالحزب إلى حلبة السياسة مرة أخرى.

الأمر الذي أثار الجدل الفكري بين عبد الخالق محجوب الذي كان داعما لقضية الديمقراطية في الصراع السياسي. وعمر مصطفى المكي وأحمد سليمان اللذان جاءا بفكرة “الديمقراطيون الثوريون”.

وكانا يعتقدان أن عملية النهضة في البلاد يمكن أن يحققها الديمقراطيون الثوريون، وهي إشارة إلى القيادات العسكرية. أي الوصول إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري.

انقلاب مايو 1969

وجاء الانقلاب العسكري في 25 مايو 1969م تحقيقا للفكرة..
بعد الانقلاب بدأت تبرز قيادات جديدة من الشيوعيين تحاول أن تغطي على سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب.

أول معركة فتحتها معه كانت تعيين وزراء في حكومة الانقلاب دون إخطار الحزب الشيوعي.

القضية الثانية طرد قيادات عسكرية من مجلس قيادة الثورة من الشيوعيين ” هاشم العطا وبابكر النور.

فالصراع الفكري الذي كان دائرا بين عبد الخالق و أحمد سليمان و عمر مصطفى المكي على صفحات الصحف انتقل إلى سلطة الانقلاب.

حيث أرادوا أن يضعفوا دور عبد الخالق في قيادة العمل السياسي، ويتمسكوا بمصطلح ” الديمقراطيون الثوريون”.
والذي يعتبر تجاوزا لأفكار عبد الخالق محجوب صاحب برنامج ” الثورة الوطنية الديمقراطية” الذي يعتبر نتاج أفكاره.

والتي يريد من خلالها عبور البلاد من حالة التخلف و التبعية ألى تأسيس نظام ديمقراطي يمهد التحول إلى الاشتراكية.

إن قيام انقلاب 19 يوليو؛ و الذي يسميه الحزب الشيوعي ” ثورة تصحيحية” قد فجر الصراع داخل المنظومة الماركسية بصورة أعنف.

كما أدى إلى فتح باب الاستقطاب الحاد، و تقسيم الحزب إلي كتلتين، حيث فقد الحزب الشيوعي فيها أهم رجل في تاريخه السياسي من حيث دوره الكبير في الإنتاج الفكري و الثقافي. الذي كان المحرك الأساسي لفاعلية الحزب و دوره السياسي و الاجتماعي.

إن الكتلة التي ذهبت مع نميري، هي الكتلة التي كانت تتعامل مع قطاع الجماهير، و هي المنتجة للأفكار و الثقافة.

لذلك كانت محركة للحزب وسط القطاعات الجماهيرية.. أما الكتلة التي ذهبت مع الحزب أغلبيتهم من العناصر التي كانت تشتغل في العمل التنظيمي و التنفيذي.

والأقل إنتاجا في الأفكار و الثقافة.. هي الكتلة التي جعلت المحافظة على الحزب أفضل من الانتاج المعرفي.. الأمر الذي جعل الحزب كتلة صماء غير قادرة على الحركة الفاعلة وسط الجماهير.

وأيضا فشلت في تقديم برامج و مشاريع جاذبة للأجيال الجديدة. الآن الحزب موجود كأسم دون فاعلية سياسية.. نسأل الله حسن البصيرة…

*بقلم/ زين العابدين صالح عبد الرحمن

Comments are closed.