حكومة الأزهري والتشريعات ضد الشيوعية
يعد المؤرخ البروفيسور فيصل عبد الرحمن على طه من أهم المؤرخين السودانيين.
و فيصل يعتمد في أبحاثه التاريخية على “المنهج الوصفي التاريخي” و المنهج نفسه يجعل صاحبه يعتمد على الحقائق التاريخية من مصادر موثوقة.
ثم يقوم بتحليل هذه البينات لمعرفة الأسبا التي أدت إليها، خلافا للمؤرخين الذين يعتمدون على المنهج “التاريخي الديالكتيكي” الذي يقوم بتحليل البينات و فقا للصراع الطبقي في المجتمع..
و في واحدة من سرديات فيصل عبد الرحمن عن التشريعات في عملية محاربة الشيوعية، نجد قد تم قطع المقال من سياقاته التاريخية.
باعتبار أن حكومة الأزهرى ذهبت تبحث عن المطلوبات التشريعية لمحاربة الشيوعية، في محاولة لتزيف الحقائق التاريخية.
و محاولة إن حل الحزب الشيوعي السوداني عام 1965م كانت رغبة متواجدة عند قيادات الوطني الاتحادي، الذين حكموا فترة الحكم الذاتي.
و إن محاولة قطع السرديات من سياقاتها التاريخية هي محاولة الهدف منها هو تزيف الحقائق. و الغريب في الأمر أن فيصل عبد الرحمن أشار في ذات المقال لموقف الإدارة البريطانية من الشيوعية.
حيث قال فيصل في سرده التاريخي لمحاربة الشيوعية (أعلن الحاكم العام عدم مشروعية الجمعيات والمنظمات الشيوعية بأمر أصدره في 25 نوفمبر 1950 بموجب المادة 3 من قانون الجمعيات غير المشروعة لسنة 1924 التي تنص على أنه إذا رأى الحاكم العام أن أي جمعية تتدخل أو يكون غرضها التدخل في إرساء القانون والنظام أو تشكل خطراً على السلم العام، فإنه يجوز للحاكم العام أن يعلن تلك الجمعية غير مشروعة بإعلان ينشر في غازيته حكومة السودان. وبمقتضى ذلك الأمر أعلن الحاكم العام أن أي جمعية في السودان أياً كان اسمها تدعو أو تروج أو تمارس نظريات أو مبادئ الشيوعية العالمية أو الجهاز المعروف بإسم الكمنفورم تعتبر جمعية غير مشروعة بموجب قانون الجمعيات غير المشروعة لعام 1924. وفي مايو 1952 أصدر الحاكم العام أمراً آخر أعلن بموجبه عدم مشروعية إجراء اتصالات مع حركات شيوعية في بلاد أخرى)..
إن الصراع بين الوطني الاتحادي و الحزب الشيوعي لم يبدأ من خلال مناظرات فكرية بين الحزبين، و لكنه بدأ داخل ” الحركة الوطنية للتحرر الوطني” و التي أسست عام 1946م.. و كان أمينها العام عبد الوهاب زين العابدين الذي اشتبك في صراع فكري مع عبد الخالق محجوب، عندما أعلن زين العابدين أن تأسيس حزب شيوعي في ذلك الوقت سوف يواجه بصد اجتماعي، لآن المجتمع السوداني في تلك الحقبة التاريخية غير مهيأ لقبول الفكرة، و أقترح أن يشكل الشيوعيون حركة فكرية داخل المنظومة الاتحادية باعتبارها تيارا عريضا من الطبقة الوسطى يستطيع هذا التيار أن يخدم حركة الفكر و الوعي الديمقراطي، لكن عبد الخالق لم يوافق على ذلك الرأي و اتهم عبد الوهاب بالانحراف اليميني و تم إقالته من منصبه، منذ تلك الفترة بدأ عبد الخالق الذي كان مصحوبا بمجموعة مؤيدة قدمت من مصر ” حستو” أن تشن حملة قوية ضد الوطني الاتحادي..
إذا، رجعنا إلي السرديات التاريخية نجد أن الحرب بين الشيوعيين على الاتحاديين بدأت ضد مجموعة الأشقاء التي تأسست في 1943م :اول حزب يؤسس في السودان بقيادة الأزهري، و السردية التاريخية التي أوردها فيصل عبد الرحمن على طه عن تساؤلات يحي الفضلي للإدارة البريطانية و معه الشيخ على عبد الرحمن الذي كان وزيرا للعدل في ذلك الوقت عن كيفية محاربة الشيوعية، نجد إن التطورات التاريخية التي حدثت داخل الجسم الاتحادي تبين صحة الشكوك في السردية، لأن الشيخ على عبد الرحمن هو الذي قاد انشقاق ” حزب الشعب الديمقراطي” عن الوطني الاتحادي ” مدعوما من قبل الحزب الشيوعي، و هذا كنت قد بينتها بالتفصيل في كتاب أصدرته عام 2021م من دار المصورات. بعنوان ” دور الحزب الشيوعي في تفكيك الحركة الاتحادية” و أول قرار أتخذ داخل حزب الشعب الديمقراطي هو تبني مبدأ الاشتراكية، ثم دخلوا في تحالف مع الحزب الشيوعي.. و خرج الشيخ على عبد الرحمن غاضبا من التحالف، أقرأ كتابه ” الديمقراطية و الاشتراكية في السودان” حيث بين في الكتاب غضبه من التحالف مع الشيوعيين.. إذا كان الشيخ قسم الوطني الاتحادي و تحالف مع الشيوعيين كيف كان يبحث في الكيفية التي يحارب بها الشيوعيين..
إذا راجعنا إلي سردية أخرى أوردها أحمد سليمان الذي كان أبرز الخطابيين الشيوعيين في المنابر، قال في كتابه ” مشيناها خطا و من كتبت عليه خطى مشاها” قال في تلك الفترة كنا نصعد للمنابر لمهاجمة “الأزهري و حزبه” و بين كيف عبد الخالق كان ناغما من الأزهري، الغريب في الأمر أن الحزب الشيوعي طوال تاريخه تحالف مع كل القوى السياسية يمينية و رجعية ما عدا الوطني الاتحادي.. و أيضا تكرر الصراع بين عبد الخالق محجوب و عوض عبد الرازق في ” الجبهة المعادية للاستعمار” حيث سار عوض في ذات الاتجاه الفكري الذي كان قد طرحه عبد الوهاب زين العابدين.. كان عبد الخالق يريد أن يتخلص من حملة القناعات الفكرية وسط القيادات اليسارية التي كانت تنادي بعدم معاداة الاتحاديين.. كان عبد الخالق يعتقد أن الحزب الشيوعي لا يستطيع أن يعزز مكانة لنفسه داخل المجتمع إلا إذا استطاع أن ينزع قيادة الطبقة الوسطى من الحزب الوطني الاتحادي.. و رغم أن الشيوعيين قد نجحوا في انشقاق المجموعة التي كونت حزب ” الشعب الديمقراطي” لكنهم لم يستطيعوا محاصرة الوطني الاتحادي..
يقول محمد أبو القاسم حاج حمد و هو أحد قيادات حزب ” الشعب الديمقراطي” في كتابه ” السودان المأزق التاريخي و افاق المستقبل ص 54″ يقول ( تمكنت العناصر الأكثر جذرية في تنظيم ” حستو” منذ عام 1950م من فرض اتجاه العمل المستقل عن أحزاب المثقفين البرجوازية، غير إن عناصر عديدة لم تلتزم بذلك الخط و بقيت على عضويتها في الأحزاب الاتحادية) لذلك قرر عبد الخالق أن ينشط فاعلية الحركة النقابية لكي يتم بها المحاصرة السياسية للوطني الاتحادي.. في بداية الحركة النقابية كان الاتحاديون غير مشغولين بدور العمل النقابي، رغم أنهم كانوا أكثر إطلاعا على الفكر الفابي، و نشاطات حزب العمال البريطاني وسط العمل النقابي، فكانت المسألة مؤجلة عندهم حتى جاء الشريف حسين الهندي لكي يفعل هذا الدور.. نسأل الله حسن البصيرة..
بقلم/ زين العابدين صالح عبد الرحمن
