حين تنتصر الإنسانية على كلفة الأرقام

11

بقلم: عبدالمحسن إدريس
في زمنٍ تُقاس فيه القرارات غالبًا بميزان الربح والخسارة، تأتي مواقف الكبار، المؤمنون بقضايا الوطن، وفي أوقات الأزمات تبرز الخيل الرابحة وتتصدر السباق دون منافس.

خلال الفترة الماضية، ضاق الحال بالملايين جراء الأوضاع الأمنية التي فرضها المجرمون ضد الآمنين العزل، والأطفال والنساء، وقد وجد الآلاف الطريق مؤمنا لدى إخوانهم في دول الجوار فكانت الفزعة ونصرة المأزوم.

العديد من رجال الأعمال والجهات الخاصة ظهرت معادنهم في هذا الوضع الدقيق من التاريخ، بعضهم يذكّرنا بأن الكثير من القرارات تُصنع بالقلب قبل أن تُحسب بالأرقام.

في قطاع خدمات النقل البحري ظهرت نماذج لا يحق تجاوز وقفتها مع المواطن المستجير من القتل والتنكيل بواسطة مليشيا آل دقلو.

ووسط ارتفاع التكاليف وتحديات التشغيل، اختار رجال أعمال وتنفيذيون أن يمضوا عكس التيار في عون مواطنيهم، منها “بسام شيبنغ” التي بادرت بإطلاق مبادرة إنسانية لدعم العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم، في خطوة تحمل من المعاني أكثر مما تحمله من الأعباء.

هذه المبادرة لا يمكن قراءتها كخدمة نقل فحسب، بل كرسالة تضامن عميقة مع إنسان أنهكته الغربة والظروف، ويبحث عن طريق آمن وكريم للعودة.

أن تفتح شركة أبوابها لتخفيف معاناة العالقين، وأن تسهم في إعادة لمّ الشمل، فذلك فعل يتجاوز حدود العمل التجاري إلى فضاء المسؤولية الأخلاقية.

ويبرز في هذا السياق الدور الإنساني لعدد من الخيرين الذين كانت أعمالهم تتحدث عنهم، رغم ابتعادهم عن الصخب والظهور الإعلامي، لكنهم أقالوا عثرة وساعدوا أهاليهم.

كالسيد أسامة البليل، على سبيل المثال الذي لم يكتفِ بالمساندة المعنوية، بل ترجم إحساسه بالمسؤولية إلى أفعال ملموسة، عبر دعم بعض المسافرين بتذاكر مجانية أو المساهمة في استكمال قيمتها.

هذا النموذج من العطاء يعكس روحًا نادرة، تدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يقدّم.

هذه الأفعال تعيد تعريف العلاقة بين المؤسسات والمجتمع، وتؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُختزل في مؤشرات الأداء، بل في الأثر الذي يُترك في حياة الناس.

فالمبادرات الإنسانية، خاصة في أوقات الأزمات، تظل هي العلامة الفارقة التي تكتب التاريخ بصمت، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة.

وفي لحظة يحتاج فيها العالم إلى مزيد من الرحمة، تأتي هذه المبادرة لتقول ببساطة: ما زالت الإنسانية بخير، والسودان وطن الأجواد.

Comments are closed.