ضياء الدين بين متناقضات السياسة والجذرية
بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
كتب الأستاذ محمد ضياء الدين مقالاً في صحيفة الراكوبة بعنوان “الحزب الشيوعي السوداني: آفاق العزلة ومآلات الجذرية”، نُشر في 21 مارس 2026م.
ومن خلال قراءة المقال، الذي جاء كمناشدة للحزب الشيوعي لإعادة النظر في موقفه من مسألة التحالفات، خاصة ما يتعلق بـ”الولادة الثانية” للجنة تفكيك نظام الإنقاذ.
يتضح أنه امتداد لأطروحة سابقة كان قد طرحها في مايو 2025م بعنوان “الوعي الثوري والمرونة الثورية” بجريدة مداميك. المقالان يحملان رؤى يسعى الكاتب إلى تقديمها في إطار حوار مع الحزب الشيوعي والقوى الأخرى.
أشكر الأستاذ ضياء الدين على فتح باب الحوار حول رؤيته لعودة لجنة إزالة التمكين، والدعوة للنقاش حتى وإن ظل محصوراً داخل أسوار الحزب الشيوعي. فذلك يعكس قناعة بوجود آراء مغايرة لتوجهاته السياسية.
غير أن حديثه عن “قوى الثورة” يثير تساؤلات مشروعة: من هي هذه القوى؟ وما أهدافها؟ ومن يملك حق تعريف من هو ثوري ومن هو غير ذلك؟.
خاصة أن هذا المصطلح ظل مطاطاً، وقد استخدمته قوى سياسية عديدة، أبرزها التيارات القومية العربية، لوصف انقلابات عسكرية لم تفضِ في معظمها إلى تحول ديمقراطي حقيقي.
رؤية ضياء الدين للتناقضات
وفي محطة أخرى، يرى ضياء الدين أن التناقضات الثانوية لا تمثل أزمة ما لم تتحول إلى قطيعة تخدم قوى الثورة المضادة، داعياً إلى التنسيق لتفادي انكسار الحركة الجماهيرية.
لكن هذه الرؤية تطرح إشكالية واضحة، إذ إن الاختلاف مع بعض التيارات، كالبعثيين مثلاً، قد يُصنَّف مباشرة في خانة “الثورة المضادة”.
وهنا يبرز سؤال جوهري: متى يكون الموقف ثورياً، ومتى يتحول إلى نقيضه؟ يبدو أن الإجابة لدى ضياء الدين تظل عامة وغير محددة، بل ترتبط أحياناً بالتموضع السياسي أكثر من ارتباطها بمعايير فكرية واضحة.
كما أن مرجعية ضياء الدين الفكرية تبدو غير مؤسسة على إطار فلسفي متماسك، بخلاف الشيوعيين الذين يستندون إلى المفهوم المادي للتاريخ والديالكتيك كأدوات تحليلية لفهم الصراع.
في المقابل، يبدو أن الطرح البعثي يميل إلى توظيف المفاهيم حسب الحاجة، ما يجعل المصطلحات المستخدمة فضفاضة وغير منضبطة.
ينتقل ضياء الدين إلى ما يمكن اعتباره العمود الفقري لمقاله، وهو الحديث عن لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989، وضرورة تطويرها في “ولادتها الثانية”.
ورغم أن مقاله موجه للحزب الشيوعي، إلا أن موقف الحزب من اللجنة معروف منذ رفض القيادي صديق يوسف الانضمام إليها، بمقولته الشهيرة: “لا أريد أن أكون المتهم والقاضي في نفس الوقت”.
فالحزب لم يعارض مبدأ التفكيك، لكنه انتقد غياب الأساس العدلي المتكامل، من نيابة وقضاء، لضمان معالجة جذرية للقضية، بعيداً عن القرارات الإدارية التي قد تشوبها تجاوزات قانونية.
لقد واجهت اللجنة، خلال فترة عملها، انتقادات من قوى فكرية متعددة، وليس من الإسلاميين وحدهم. ذلك أن أي مشروع للتحول الديمقراطي يجب أن يستند إلى ترسيخ العدالة وسيادة القانون في كل مراحله، لا إلى إجراءات قد تفتقر إلى الضمانات القانونية الكافية.
وهنا يبرز تساؤل حول مدى التزام الخطاب “الثوري” بهذه القيم، خاصة في تجارب سابقة ارتبطت بأنظمة بعثية وناصرية اتسمت بطابع ديكتاتوري.
وفي فقرة أخرى، يشير ضياء الدين إلى غياب موقف رسمي واضح من قيادة الحزب الشيوعي بشأن عودة لجنة التفكيك، معتبراً أن ذلك فتح الباب لاجتهادات بعض الكوادر.
غير أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة التنظيم داخل الحزب الشيوعي، القائم على مبدأ “المركزية الديمقراطية”، الذي يحد من التباين العلني في المواقف.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت اللجنة قد تأسست بموجب “الوثيقة الدستورية”، في ظل رفضكم الحالي لها، فما الأساس القانوني لعودتها؟ وهل يمكن للجنة يفترض أن تحقق العدالة أن تتحول إلى أداة سياسية؟.
كما أن العودة إلى هذه اللجنة قد تعكس، في جانب منها، محاولة لاستعادة حضور سياسي تراجع بفعل المتغيرات، وهو ما قد يُفهم كإقرار ضمني بفشل بعض القوى في توسيع قاعدتها الجماهيرية.
أما بشأن مفهوم “الجذرية”، فيبدو أن هناك تبايناً واضحاً بين طرح ضياء الدين ورؤية الحزب الشيوعي.
فالأخير ينظر إلى الجذرية كموقف سياسي مرتبط بالتغيير الاجتماعي والثورة الديمقراطية، التي تمهد لبناء المجتمع الاشتراكي،
بينما يراها ضياء الدين أقرب إلى وصف لحالة تقوم على الانفتاح وبناء أوسع تحالف ممكن. وهذا الاختلاف يعكس تبايناً عميقاً في فهم طبيعة التغيير وأدواته.
في الختام، تظل مداخلة الأستاذ ضياء الدين محل تقدير، خاصة أنه دعا إلى الحوار حول رؤيته. ورغم اختلافنا مع كثير من أطروحاته، فإن النقاش الجاد يظل ضرورة لفهم أعمق لتعقيدات المشهد السياسي. نسأل الله حسن البصيرة.

Comments are closed.